الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٢٠
النبي ٦ انه قال لا تسبوا الدنيا فنعم المطية[١] للمؤمن عليها يبلغ الخير و بها ينجوا من الشر، و اذا قال العبد لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه اعصانا لربه، و اما ذمه لها و انه طلقها ثلاث مرات لم يرجع فيها فهو مشهور و في الكتب مسكور، و حينئذ فما المراد ممن الدنيا المذمومة؟
فنقول قد غلط اكثر الناس في المراد منها فقيل هو الدهر، و قيل هي الاسباب، و قيل غير ذلك و هذا كله ظاهر البطلان، اما الدهر و الايام و الليالي فقد عرفت انه ٧ نهى عن ذمها و سبها و ان من سبها كان آثما مع انها مخلوقاته سبحانه خلقها لانتفاعنا بها.
و اما الاموال فقد ورد في الاخبار نعم المال الصالح و الولد الصالح للعبد الصالح و لان بالاموال ينال ثواب الصدقات و اعانة المحتاج و اغاثة الملهوف، و كل مقام من المقامات، و اما الجاه و الاعتبار فلان منه قضاء حوائج الاخوان التي قال فيها الصادق ٧ ان من طاف بالبيت اسبوعا كتب اللّه له ستة آلاف حسنة و محى عنه ستة آلاف سيئة، و رفع له ستة آلاف درجة، ثم قال و قضاء حاجة المؤمن افضل من طواف و طواف و طواف حتى عدّ عشرا، و اما المنازل و الدور فكذلك ايضا لأنه قد ورد ان الدار الواسعة من روح المؤمن في الدنيا و للاحتياج اليها في بقاء نوع الانسان.
فالحاصل ان الدنيا غير هذا كله و هي الحالة التي تبّعد الانسان من ربه و ان كان كانت هي الصلاة كما ان الاخرة هي الحالة التي تقرّب الانسان من ربه و ان كانت العيشية[٢] و ذلك لانا شاهدنا من واظب على الصلوات و الاذكار من الصوفية و غيرهم و لم يكن لهم نية سوى اقبال الناس عليهم و توجههم اليهم في هذه الصلوة هي الدنيا و اما كون الامور الدنيوية في الظاهر امورا أخروية فقد بلغني ان جماعة من المؤمنين من اهل العراق قصدوا الشام لبعض مطالبهم فسكنوا في بعض خاناتها فخرجوا من سحر تلك الليلة (ذات ليلة خ) الى الحمّام او المسجد، فأخذهم غلمان العسس و قيدوهم و أتوا بهم اليه و اتفق في تلك الاوقات كثرة اللصوص في تلك البلاد، فلما اوقفوهم بين يديه و قالوا ان هؤلاء لصوص، و كان ذلك الرجل عظيم الهيكل عليه لباس الروم فلما رع بصره الى المؤمنين سألهم عن بلادهم و احوالهم، فقالوا له انا من اهل العراق، فعرفهم انهم من الشيعة، فقال هؤلاء لصوص من الرافضة فحلف ان
[١] المطية: الداية التي تركب و في شرح شواهد مجمع البيان- مخطوط-: و هي الدابة التي تمطو في سيرها أي تسرع.
[٢] العيشية. كذا في النسخ المطبوعة و لكن في النسخة المخطوطة: العسسية. و كذا في النسخة المطبوعة من الكتاب سنة( ١٢٦٩- ١٢٧١ ه ق) و لعلها الصحيح بقرينة الحكاية الآتية: و العسس: الذين يطوفون بالليل يحرسون الناس و يكشفون اهل الريبة و هو جمع عاس.