الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٧٦ - هل أسماء الله توقيفية أو لا؟
العامّة والرخصة المطلقة.
وقانون الشريعة في ذلك مطابقٌ لقانون العقل مطابقةً تامّة، وهو سواءٌ له في كلّ جهة.
وأسماء اللَّه الحسنى وإن كانت محدودةً بتسعين أو أقلّ أو أكثر، ولكن ليست هي كلّ أسمائه المباركة.
فقد ورد في الحديث الذي تقدّمت الإشارة إليه في باب التوحيد المشتمل على أسرار المعارف وغوامض العلوم في أُصول أسمائه القدسية، الذي يقول (الصادق) عليه السلام في أوّله: «خلق اللَّه اسماً[١] بالحروف غير مصوّت، وباللفظ غير
[١] قد سبق ذكر هذا الحديث الشريف، وأحلنا بعض الكلام فيه إلى غير دعوتنا هذه من تحاريرنا.
ونحن نذكر هنا لطيفاً من الإشارة إلى ما لعلّه هو مراد الإمام منه، وهذه الإشارة وإن كانت غير مجدية البيان للأغلب ولا ينتفع بها العامّة بل ولا يليق إلقاؤها إليهم، ولكن عسى أن تصادف لها أهلًا يرتاحون إليها ويصلون إلى لباب معانيها وأسرار مطاويها.
فنقول: حيث إنّ حقيقة الاسم وجوهر معناه هو: ما دلّ على المسمّى، فلعلّ الاسم الذي نعته الإمام عليه السلام هو الوجود المطلق المنبسط على هياكل الموجودات وقوابل الممكنات، وهو النفس الرحماني والفيض المنبسط والحقّ المخلوق به.
وهذا من أقوى الدوالّ على ذاته المقدّسة ووجوده الحقّ، فهو اسم دالٌّ على مسمّاه كاشف عن مقوّم ومحقّق معناه.
والاسم الذي هو من قبيل الحروف والأصوات هو الدالّ على هذا الاسم، وهو اسم الاسم.
وبأجلى عبارة وأوضح إشارة: أنّ الاسم الإلهي هو: ما دلّ على الذات مع تعيّن خاصٍّ من التعيّنات الإلهية أو الكونية.
وأوّل التعيّنات الكونية هو فيضه الإطلاقي في ذراري الممكنات المترفّع عن أُفق الزمان والأبعاد والجهات الموصوف بتلك النعوت التي وصفها الإمام في حديثه السامي.
وهو أعظم الأسماء الكونية الإلهية لا الإلهية المتمحّضة، ومن هذا الاسم خلق الأسماء الأُخر الكونية التي هي من تعيّنات هذا الاسم الإطلاقي.
ولا فرق بين هذا الاسم وبين مسمّاه، إلّاأنّه عبده وهو ربّه:« أنا أصغر من ربّي بسنتين».
الحدوث والإمكان إشارة إلى حقيقته المصطفوية المتحقّقة بتلك المرتبة التي تقاعس الروح الأمين عنها في المعراج، وقال:« لو دنوت أنملة لاحترقت».
ولا تنقص حقيقة هذا الاسم عن الذات في الكمالات إلّابالنقص الإمكاني والمتأخّر المعلولي اللازم لذات المتعيّن باللَّه إلى المتعيّن.
وليس هذا الاسم المخلوق من الأسماء الإلهية الثابتة في مرتبة الربوبية كالعلم والحياة وأمثالها، بل هذه الأسماء لها السلطنة والربوبية المطلقة على الاسم المخلوق، وإن كان الاسم المخلوق هو حقّ مخلوق به الأسماء الخلقية الأُخر، فالاسم الإلهي- سواء كان في مرتبة الخلق أو في مرتبة الربوبية المطلقة- ليس ما هو في الأوهام العامّة من الحروف والكلمات، بل هي أسماء الأسماء، وإن كانت تلك الحروف المركّبة والأصوات المؤلّفة أيضاً أسماء بملاحظة أنّها موجودات كونية كسائر الكونيات.
ومن هنا ظهر أنّ الأسماء الإلهية التي هي عبارة عن الذات المتعيّنة بتعيّنات كونية خلقية حادثة بالحدوث الاسمي، بمعنى: تأخّر التعيّن عن الذات المطلقة، بل هذا جارٍ في مطلق الأسماء.
أمّا الأركان الثلاثة فلعلّ المراد بها في مرتبة الربوبية: الحياة والعلم والقدرة، وفي الكونيات: العرش واللوح والكرسي، أو: القلم والعرش والكرسي إن جعلنا اللوح والعرش بمعنى واحد.
أرخي الستر، فقد أوشك أن ينكشف السرّ، والسلام!
وآسفني عدم وقوفي على( شرح كتاب أُصول الكافي) في مقامي هذا( لصدر المتألّهين)، فإنّه لم يحضرني في ساعتي لأنظر إلى نظرياته العالية وفلسفته الوثيقة في شرح هذا الحديث لكي أُفيد قرّاء( الدعوة) بخلاصته.
فمن أراد الاستبحار والتوسّع فعليه بمراجعة ذلك السفر الجليل لذلك العارف المتألّه، فهو في أمثال هذه الغوامض ابن بجدتها وعرابة رايتها.
وما دفعنا إلى نفث هذه الكلمة إلّاالاعتراف بفضل أهل الفضل وعدم بخس حقوقهم، ثمّ إرشاد طالبي المعارف الإلهية إلى مواضعها، واللَّه( سبحانه) هو وليّ الإرشاد والهداية.( منه رحمه الله).
أقول: أمّا قوله رحمه الله في أوّل كلامه:( قد سبق ذكر هذا الحديث...) فقد سبق في ص ٢٧٧.
وأمّا حديث:« أنا أصغر من ربّي بسنتين» فراجعه في مستدرك سفينة البحار ٦: ٢٨٥.
وأمّا حديث:« لو دنوت أنملة لاحترقت» فراجعه في: المناقب لابن شهر آشوب ١: ٢٢٩، رياض السالكين ١: ٢٥٦.
وأمّا قوله رحمه الله:( فمن أراد الاستبحار والتوسّع فعليه بمراجعة ذلك السفر...) فلاحظ شرح أُصول الكافي لصدرا ١: ٢٣٦- ٢٥٠.
وأمّا قوله رحمه الله:( ابن بجدتها) فإنّ هذا التعبير يقال للرجل العالم. لاحظ: تهذيب اللغة ١٥: ٣٦٢، جمهرة الأمثال ١: ٣٨.