الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٢٧ - السادس من الأمور في الأفعال الاختيارية ومباديها ومقدماتها ومزلة أقدام الأعلام في هذا المقام ومسألة الجبر والتفويض
أمير المؤمنين عليه السلام جالساً في الكوفة بعد منصرفه من صفّين، إذ أقبل شيخ، فجثا بين يديه، ثمّ قال له: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام: بقضاء من اللَّه وقدر؟ فقال له أمير المؤمنين: «أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلّابقضاء من اللَّه وقدر». فقال الشيخ: عند اللَّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين! فقال له: «مه يا شيخ! فواللَّه لقد عظّم اللَّه لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرّين». فقال الشيخ: كيف لم نكن مكرهين مضطرّين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟ فقال له: «أتظنّ أنّه كان قضاءً حتماً وقدراً لازماً؟! إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من اللَّه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمةٌ للمذنب ولا محمدةٌ للمحسن، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب. تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمان وحزب الشيطان وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها. إنّ اللَّه (تبارك وتعالى) كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولا يُملِّك مُفوِّضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً، «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ»[١]»[٢].
[١] سورة ص ٣٨: ٢٧.
[٢] لاحظ: الكافي ١: ١٥٥، التوحيد للصدوق ٣٨٠- ٣٨١، عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ١١٤- ١١٥، نهج البلاغة ٤٨١، كنز الفوائد ١: ٣٦٣، مع بعض الاختلافات.