الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٩١ - مبحث القضاء والقدر
نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً»[١].
فهداه النجدين[٢]: نجد الخير والشرّ والسعادة والشقاء.
ثمّ بعد أن استتبت هذه المقامات واستحكمت عند الملك وخاصّته تلك النظامات أمر ذلك الكاتب الذي جعله خزانة أسراره ومستودع مفاتيح غيبه وهو من صقعه وعالمه، أمره أن يسجّل في لوحٍ خصوصي له جميع الموادّ الجزئية والقضايا الشخصية، فجعل يملي على كاتبه إظهاراً لمزيد علمه وشمول قدرته وإحاطته بشؤون أفراد رعيته ومقتضيات استعداداتهم وأهوائهم ورغباتهم وشقاوتهم وسعادتهم، جعل يملي ما يجري على حياة كلّ فرد فرد منهم وما سيختاره بحرّية إرادته وصرف مشيّته دون أدنى إجبار أو إكراه أو تعمية أو اشتباه، وضمّنه كلّ ما يمرّ عليه في صحائف أيّامه ولياليه ممّا يدخل في قدرته وإرادته، وما ليس من ذلك من مدّة أجله وغاية عمله وحظوظه من نِعم الحياة وبسط العيش ونعيم الدنيا بالأولاد والأحفاد والصحّة والعافية والملك والسلطنة وامتداد البقاء ومساعدة الأيّام بالهدوّ والسكينة والراحة والطمأنينة وأشباه ذلك ممّا ليس هو على الحقيقة الراهنة من مجهودات المرء وخصوصياته.
فإنّ في وسع الإنسان أن يسعى، فيصير عالماً أخلاقيّاً أو طبيباً نطاسيّاً[٣] أو حكيماً فلسفيّاً أو مخترعاً صناعيّاً، ولكن ليس في وسعه أن يسعى فيصير ملكاً مطاعاً أو قهرماناً شجاعاً أو ذا نسل متكاثر بعدد مخصوص أو ما أشبه هذه
[١] سورة الإنسان ٧٦: ٢- ٣.
[٢] النجد: الطريق الواضح.( العين للفراهيدي ٦: ٨٤).
[٣] النِطاسي: الحاذق بصنعته المبالغ في عمله.( جمهرة اللغة ٢: ٨٣٨).