الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٨٥ - الثالث في الوجدانيات، وبيان مبادي الوجدان في الإنسان
فالحاجة والعوز يدفع إلى السؤال والطلب، والطلب يدفع إلى الشكّ، والشكّ يدفع إلى البحث، والبحث ينتهي إلى الحصول والوجدان، أو اليأس والسكون.
نعم، البحث المتواصل لابدّ وأن ينتهي إلى الطمأنينة، إمّا بالوجدان للحقيقة، أو ما يحسبها هي، أو بالاقتناع عنها بالصوارف إلى غيرها.
ومهما كان، فإنّ النفس لا ترتاح بعد الطلب حتّى تجد.
فجميع النظريات لا تقتنع بها النفس ولا ترتاح وتسكن إليها حتّى تعود وتنتهي إلى وجدانها، وتصير حالًا من أحوالها، وتنتظم في سلك غرائزها ومحصولاتها الأوّلية، وإلّا فهي بعد في عناء التشكيك وتعب الطلب.
فالانتهاء إلى الوجدانيات واتّخاذها حقائق راهنة يعوّل عليها ويرجع في كلّ العلوم إليها إنّما هو من نواميس الحكمة التي لا محيد ولا محيص عنها، وهي من أوّل الأوائل وأبده البدائه.
كما أنّ رفضها وإلغاءها تعطيل لكلّ العلوم، وإبطال لكافّة النظريات، وفوضوية على الباحثين، لا تنتهي بهم إلى غاية ولا تقف فيهم على حدّ.
الوجدانيات هي التي ألفها الإنسان في أوّل عهده وسدكت[١] به من مهده إلى لحده..
هي التي عرفها قبل أن يعرف كلّ شيء، وبها توصّل إلى كلّ شيء، عرفها قبل معرفة أُمّه وأبيه، وأحسّ بها قبل أن يندفع إلى طلب ما يحفظ وجوده ويغذّيه ..
[١] سَدِك: لزمه.( صحاح اللغة ٤: ١٥٨٩).