الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٢٢ - السانحة الرابعة
ثانيهما: فنّ الحكمة النظرية والفلسفة الروحية الزعيمة بتوسعة الفكر في المعارف الإلهية الدافعة إلى كلّ خلق أدبي وشرف نفسي وكمال ملكي، ذاك إذا بنيت على أُصولها الصحيحة ومبادئها المتقنة، وأُخذت من ينابيعها الغَدِقة ومناهلها المروّقة.
بيد أنّ المحيط والوسط والحاضرة ما كانت تخوّلني سوى التجوّل في العرض العريض ممّا بين ذينك الفنّين من الشرعيات ومبادئها، فكانت هي سجيراي[١] وبها جهدي وعناي، وفيها أنقد أُويقاتي، وعليها أعدّ ساعاتي.
غير أنّي لا أبرح اختلس من وقتي لموضع صبوتي من ذينك الفنّين سهماً، وأجعل لهما من وجه عنايتي نصيباً، وانتهز من سوانح الفرص لمزاولتهما شطراً، وعلى الأخصّ علوم المعارف التي أذويت في تحصيلها وريق عمري وأيّامي وريّق دهري وأعوامي، وساقت لي العناية من الولوع بهما والتصابي ما حييته بزهرة شبابي.
وقد تسنّى لي الظفر بعدّة من المهرة المتضلّعين فيه الذين يعزّ وجودهم في مثل هذه الآونة، أحسنت يد الغيب صنيعها بهم عليّ حتّى ألقتهم التجوّلات نزلاء في حاضرتي، وملأت من متمنّع منالهم وممتّع نوالهم قبضتي، فكرعت من مناهل فضلهم ولازمتهم ملازمة ظلّهم، حتّى استوفيت ما تيسّر وما شئت وشاءت العناية. ومذ وجدتني بلطفه على مثل ضوء الشمس من يقينه قلت: حسبي من معاناته، فقد ارتويت من معينه، فإنّه وإن اتّسعت الخطّة، لكن العلم نقطة، نسأله
[١] السجير: الخليل الصفي.( القاموس المحيط ٢: ٤٦).