الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٥٧ - الأمر التاسع في السعادة(رزقنا الله)، والشقاء(أعاذنا الله)
وكما أنّ الإنسان أشرف الموجودات وسعادته أكبر السعادات، فكذلك هي أصعب وأعزّ وأشذّ وأندر من كلّ سعادة؛ إذ لا تكاد تجد تحت الأثير موجوداً أشدّ منه تركيباً وأكثر امتزاجاً وأعند عناصراً وأبعد طبائعاً وأنفر خلائقاً، مع ما يعتوره من عوامل الكون وفواعل الحدثان وتأثير النشأة والتربية والمجاورة والصحبة، إلى ما لا يحيط به الفكر ويستحضره الذهن.
ومن جرّاء ذلك كلّه تعسّر بل تعذّر على الدهر أن يسخو في البرهة بعد البرهة والأحقاب بعد الأحقاب بإنسان كامل بحقيقة الإنسانية بالغاً من هذا النوع الغاية من مراتب الفعلية.
عزّ على الأحقاب والدهور أن يتسنّى لها الظفر بهذا الخطر الشاسع والعِلق النفيس والجوهر اليتيم والإكسير الخطير!
وبعد أن عزّت على الدهر وأبنائه وامتنعت تلك المرتبة- إلّالمن شاء اللَّه من رجال قلّوا نفراً وعظموا في الكون أثراً- صارت العنايات والظروف والمساعي والهمم وكلّ المؤثّرات تهب لكلّ إنسان حظّاً من السعادة وتخوّله نصيباً منها قليلًا أو كثيراً جليلًا أو حقيراً.
فسعادة كلّ إنسان إذاً لا محالة ممزوجةٌ بشقاءٍ محفوفة بعناءٍ، وبمقدار نقص حظّ الإنسان من السعادة يكون حظّه من الشقاوة، وبين أقصى الطرفين من محوضة السعادة وصرافة الشقاوة عرضٌ عريض وفسحةٌ شاسعة ومراتبُ بحسب الوجودات غير متناهية، وتعسر بل تمتنع الإحاطة بها على تفاصيلها وأطباقها لغير موجدها وخلّاقها.
نعم، بمعونته (تعالى) واستمداده قد يتسنّى لنا أن نشير إلى أُمّهات مراتب السعادة وأُصولها وأنواعها على ضابطة إجمالية وتقاسيم كلّية.