الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٨١ - مباحث الجبر والاختيار
تجد الأكثر منّا منذ أدرك رشده وتمييزه ومنحه المنعم من العقل تلك الغريزة لا يزال عاملًا على الجري في سوم طباعه ومشيّة مشتهياته، كأن ليس فوقه ملك قاهر ولا ناهٍ عليه ولا آمر!
يسعى كادحاً معتمداً على أفكاره ومساعيه متوسّلًا بالأسباب وحدها إلى مقاصده متّكلًا عليها غافلًا عن مسبّبها ومُجريها ومُنشئِه ومنشيها!
وهذا- والعياذ باللَّه- مقام فوق مقامات الجبر والتفويض؛ إذ وحتّى التفويض يقضي بالالتفات إلى مُفوّض إليه سواه ومقتدر فوقه، وأمّا ذاك فلا يرى سوى نفسه، ولا يتّكل ويعتمد إلّاعلى أفكاره وحدسه ومعاناته وسعيه وجرأته وجريه، كادحاً في هواه آبقاً من مولاه على الرغم من الفطرة التي فطرنا المبدع عليها واضطرّنا بضرورة العقول عليها: «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ»[١].
ولو أنصفنا لقلنا جميعاً: نعم، كلّنا كذلك، وما الناس إلّاهالك وابن هالك، إلّا من اعتصم وعصمه المالك.
وما أقلّ ما نحصي من أعمالنا التي هي على صحّة الخلوص وصدق الامتثال والإجابة.
نعم، وإذا ارتقينا عن هذا المقام وجدتنا في أعمال الخير نرتقب عوامل التوفيق وجواذب القسر والجبر إليه، وإلّا فما شئت من التواني والكسل.
أمّا إذا هبّت ريح الشهوات النفسانية وتحرّكت بدوافع الرغبة بواعث الأغراض الذاتية، فهناك الجدّ والنشاط والسعي والانبساط.
فنحن بالطاعات والخير أُمّة جبرية، وفي الأهواء والشهوات مفوّضة قدرية.
[١] سورة الفرقان ٢٥: ٤٣.