الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٧١ - مباحث الجبر والاختيار
وخالف حسّه ووجدانه، وإن شطح وطفح ونقل الكلام إلى السؤال عن علّة ميله وترجيحه لدواعي الخير أو الشرّ مع اطّلاعه عليهما ومعرفته على التفصيل بهما فصار هذا شقياً وهذا سعيداً مع تساويهما في المقدّمات حسب الفرض، قلنا له:
هذا سرّ القدر الذي لا قدرة لك أو لنا على الخوض فيه، ومقام اللوح المحفوظ الذي أنت أو نحن أقصر باعاً عن الاطّلاع على أسراره ومعانيه، بل هو سرّ اللَّه المقنّع بالخفاء، فلا يجوز إفشاؤه، ومكنون علمه المدرّع بالغيب والعماء الذي تعظم بين أبناء المعرفة أنباؤه.
وقد كنت- أصلحك اللَّه- في عهدة أن أُثبت لك أنّ العبد مختار في فعله، وما كنت في عهدة أن أُثبت لك أنّه مختار في اختياره أو مجبور عليه.
والدخول في هذه الدقائق يستلزم خروجي عن عهدي وبعد شقّتي عن قصدي..
فقد وعدتك أن أسير بك إلى الحقّ سيراً جميلًا، وأن لا أحمل على جذع بصيرتك عبأً ثقيلًا، والأمر الذي كنّا نحاول حلّه وتتوخّى بيانه قد حصل لك منه المقنع إن شاء اللَّه، فما الوجه في تجشّم هذه المصاعب وتكلّف هذه المتاعب التي لا أثق لك فيها بالسلامة. وإذا طمحت نفسك إليها وأسعدتك على تقحّمها فأنا أولى منك بالملامة.
ونحن يكفينا لإبطال ذلك الأصل الفاسد الذي بنوا عليه إنكار الحسن والقبح إثبات اختيار العبد في أفعاله، وأنّها مستندة إلى ميله وإرادته.
وقد اتّضح لك ذلك لو أنصفت وتدبّرت، واستبان لك أنّ الألطاف الإلهية بالبيان والإعذار والإنذار والأمر والنهي والوعد والوعيد وتهيئة الأسباب للطاعة والمعصية وإعطاء القوّة والقدرة على الفعل والترك والعلم بما يقع في المستقبل