الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٦٩ - مباحث الجبر والاختيار
وهذا لا ينافي الاختيار، بل عينه.
كما لا ينافيه أيضاً كون الفعل- بعد تمام علّته- يجب وقوعه، و (الشيء إذا وجب وجد)، كما أنّه (إذا وُجد وجب) قاعدتان مسلّمتان[١]. فإنّ وجوبه بالاختيار لا ينافي الاختيار، والقدرة عند المحقّقين هو: أنّه لو شاء فعل، ولو شاء ترك[٢]، وعند إشاءة الفعل ووقوعه يبقى صدق هذه القضية- أعني: أنّه لو شاء ترك- ولا تزول صفة القدرة حتّى ينتفي الاختيار، كما هو ظاهر.
وإقدار اللَّه (سبحانه) للقادرين وتقويته للأقوياء وتيسير الأُمور ليس بجابر لأحد منهم على فعل من الأفعال، ولا على عمل من الأعمال، ولا على ترك شيء منها؛ ضرورة وضوح الفرق بين الإقدار والإجبار وتناقضهما، ومع اتّصافنا بالقدرة بديهةً لا جبر ضرورةً.
كما أنّ العلم منه (تعالى) لا يؤثّر ذلك بالضرورة أيضاً؛ إذ العلم مرآة تحكي عن المعلوم على واقعه، لا علّة أو جزء علّة لتحقّقه، وإلّا لتقدّم المعلول على علّته، فتدبّره جيّداً.
ثمّ إنّ كلّ قدرة وقوّة منحها اللَّه لعباده على عمل وفعل فهم قادرون على الترك بعين تلك القوّة التي هم قادرون بها على الفعل.
فقدرة اليد على البسط هي التي بها يقتدر على القبض، وكذا سائر القوى.
ولكن ربّ فعل تركه أسهل من أخذه، وربّ فعل بالعكس، والعبد قادر
[١] انظر: المباحث المشرقية ١: ١٣٢ و ١٣٣، شوارق الإلهام ٩٠ و ٩٣، الحكمة المتعالية ١: ١٩٩.
[٢] قارن: رسائل إخوان الصفا ٣: ٣٨٦ و ٣٩١، المطالب العالية ٣: ٩، مفتاح الباب الحادي عشر ٩٩، الحاشيةعلى إلهيات الشرح الجديد للتجريد ٣٩، القبسات ٣٣٦، الحكمة المتعالية ٤: ١١٢ و ٦: ٣٠٧، ٣٢١ و ٨: ٥، ٣٠٧، شرح المنظومة ٣: ٦١٥.