الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٣٢ - خلاصة وفذلكة المقام
وحلّوا ديار الغربة. وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم، فاصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك...»[١].
إلى آخر ما ذكره (رفع اللَّه في الملأ الأعلى ذكره) من لطائف الأخلاق وطرائف الحكمة وأسرار العلم وأنوار المعرفة.
والغرض أنّ التقوى هي جامعة حقوق اللَّه على العبد، فعدل العبد مع مولاه أن يتّقيه ويخشاه، ولا يرضى إلّابما يرضاه.
ووجه ذلك في نفسه واضح بيّن إن كنت بوجود صانع لك تستيقن.
فإنّك- بناءً عليه- تعلم أنّ ذاتك ونفسك وعقلك وحسّك، بل جميع أنفاسك وحواسّك من عينك وأُذنك وفمك ولسانك وبنانك وكلمك، بل جميع أعضائك من قرنك إلى قدمك، بل جميع ما فيها من قواك، بل كلّ أقوالك وأفعالك وخيالك وهواك وسخطك ورضاك، كلّ ذلك ملك له بحقيقة الملكية والسلطنة والولاية من دون شائبة تجوّز أو مسامحة أو كناية، فالتصرّف في شيء منها بدون إذنه ومراضيه وعلى غير الوجه الذي أباحه ورخّص فيه ظلمٌ وعدوان وجور على وليّ الإحسان.
فحقيقة التقوى إذاً: أن يجعل العبد مالك تلك الأُمور نصب عينه في جميع حركاته وسكناته وأهوائه وخيالاته، فلا يتصرّف في شيء منها إلّاعلى الوجه الذي يعلم فيه برضاه ورخصته، ويداوم على هذه المراقبة والمحاسبة والخيفة والخشية حتّى تصير له ملَكَة تنجيه من كلّ هلكة، فلا يصدر منه قبض أو بسط أو رفع أو حطّ أو هوى أو خيال أو فعل أو مقال إلّاعلى طبق ذلك ووفق رضا المالك.
[١] نهج البلاغة ٣٩٢. ولكن وردت في المصدر زيادة:( فإنّك) قبل:( تجدهم).