الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٩٨ - كلمة ختامية في خلاصة مباحث التوحيد
والثناء والرغبة إليه والدعاء، ووقفت عن تعيين أسباب الزلفى عنده والقرب إليه والوفود بالكرامة عليه، وعقول البشر لا تسل عن مقدار ضعفها، تعجز عن حمل أثقال الأحدية، والنهوض بأطواد الأزلية، وتنحطّ عن العروج إلى أوج الإدراك لذات ترفّعت عن الزمان والمكان والنهاية والشبه والمثيل والمثال وأمثال هذه، وهي لا ترى إلّامحفوفاً بذلك مغموراً بما هنالك..
فمن أجل شدّة البعد عن ساحته والعجز عن كمال معرفته بُعدَ الممكن عن الواجب وعجز المادّي عن المجرّد، والنفوس مجبولة على معرفة ما هو من سنخها وإدراك ما هو قريب منها، لذلك عبدوا وأطاعوا غيره بحسبانه من بشر أو حجر أو حيوان أو أملاك أو كواكب أو غيرها.
ثمّ بعد مراجعة عقولهم ومطالعة وجداناتهم في أنّ تلك ذوات مثلهم مخلوقة وبالعدم مسبوقة، مهّدوا لأنفسهم عذراً، فجمعوا شركاً وكفراً، وقالوا:
«ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى»[١]، فنظراً إلى انتشالهم من هوّة الكفر وشَرَك الشرك والهلاك المؤبّد قضت العناية الأزلية والرحمة الواسعة بإرسال الرسل وبعثة الأنبياء ونصب الأوصياء وإنزال الكتب؛ ليقودوا الناس إلى سبل المعرفة وطرق العبادة والطاعة، ويعرّفوهم ما ينبغي له ويليق به من الثناء والحمد والسناء والمجد، وما به السعادة والنجاة والمفازة، وما ينتظم به شؤون معاشهم ومعادهم.
وجلّ الغرض من هذه المقالة أن ليس الجهد والعناء والسرّ من بعثة الأنبياء دلالة الخلق وتعريفهم أنّ لهم صانعاً إليه يرجع الأمر والخلق، فإنّها مفطورة عليه
[١] سورة الزمر ٣٩: ٣.