الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣٦ - الأمر الثالث في البحث عن أصل الأديان
روحانياً، أبى له هذا الكيان المادّي إلّاأن يستنزل الحقائق المعقولة من ذروة تجرّدها إلى حضيض التمثيل والتجسيم، ولا سيّما بعد أن رأى نفسه مضطرّاً إلى الإذعان بها مع عجزه عن اكتناهها وتحصيل جواهر معانيها، فلا جرم تدرّج إلى إقامة الأشباح والهياكل ونصب الصور والتماثيل؛ ليرى من تلك الحقيقة شبحاً بعينه، ويلتمس مثالًا لها في مظاهره، ويمسّ شيئاً منها بملامسه.
بيد أنّك لو تدبّرت أحوال كلّ هاتيك الأُمم- على اختلافها وتنوّعاتها في معبوداتها الوثنية- لم تجد فيها من تناهي الجهل به إلى افتراض تلك الهياكل المادّية والصور الحيوانية أو الجمادية هي ذات الآلهة التي تأله إليها النفوس، وتضطرّ إلى الإذعان بها العقول، وتنقاد قسراً إلى عرفانها والاعتراف بها الفِطر.
لا تجد من يزعم أنّ تلك الأوثان والتماثيل التي يصنعونها ثمّ يعكفون عليها هي الصانعة المدبّرة والخالقة الموجدة والعلّة الأُولى والأزلية القديمة.
وإنّما اتّخذتها البشر واسطة، وجعلتها وسيلة، ونصبتها مظاهر وتماثيل، تتطلّب بها الزلفى، وتلتمس منها الشفاعة، وتستدرّ بها أنواء المفازة وأنوار الرحمة وحظوظ القربى والكرامة: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى»[١].
والغرض أنّ الوثنيّين والثنويّين والبراهمة والصابئة والمجوس والبوذة وكلّ عبدة المظاهر المحسوسة والمدهشات الكونية ما عبدت سوى اللَّه، ولا قصدت إلّاإليه، ولا حنّت وولهت إلى غيره، ولكن تاهت في سبيله وعشت في طريقه، وما ضلّت فيه، ولكن فيما يقرّبها إليه ويستدنيها منه: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ»[٢].
[١] سورة الزمر ٣٩: ٣.
[٢] سورة العنكبوت ٢٩: ٦١، وسورة لقمان ٣١: ٢٥، وسورة الزمر ٣٩: ٣٨.