الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٦٧ - الفلاسفة وهذه المسألة
وأقصى أبعاده، لما أبصروا شيئاً من النفس ولا العقل بنظّاراتهم، ولا قبضوا عليها بأيديهم، ولا سمعوا لها همساً بآذانهم، ولا ذاقوا لها طعماً، ولا انتشقوا لها فغماً[١].
وعليه فلا وجود للنفس ولا حقيقة للعقل، بل وعليه فلا حقيقة لشيءٍ من شؤون النفس مجرّدة أو جسمانية، فلا إدراك ولا خيال، ولا حافظة ولا ذاكرة، ولا مصوّرة ولا مفكّرة، ولا لذّة ولا ألم، ولا صحّة ولا سقم، ولا جوع ولا شبع؛ إذ كلّ هذه محسوسات، ولكن لا بشيء من تلك الحواسّ الظاهرة، فلو قصرنا الأشياء الراهنة على مدركات تلك الحواسّ لكنّا قذفنا بالعلوم والحقائق في هوّة حالق وخسرت صفقة العلم وأهله وخاب كلّ إنسان من جدوى عقله!
وهل تحسّ النفس إلّابآثارها، وتُعرف إلّابأعمالها، وتمتاز إلّا بخواصّها؟!
الخواصّ التي تقود الإنسان قهراً وتسوقه قسراً إلى الإذعان بأنّ هناك كائن مهما جهل حقيقته فإنّه لا يجهل أنّه حيٌّ موجود مدرك ليس بجسم ولا من جوهر المادّة ولا من حقيقتها وإن حلّ فيها واستعملها واستكمل حقيته باستخدامها وتوصّل بها إلى ما لم يكن ليتوصّل إليه بدونها.
وليس الغرض الخوض هنا في هذه اللجّة العميقة والغوص إلى قعرها السحيق، وعسى أن يجيء له محلٌّ غير هذا.
ولكن أيّ خير ترجو أو جدوى علم تأمل وعائدة فضل ترتقب ممّن قصر إدراكه وضاقت سعة خطاه عن إدراك ذات نفسه، وهي أبده البديهيات إليه
[١] الفغم: الرائحة.( صحاح اللغة ٥: ٢٠٣).