الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٦٤ - الفلاسفة وهذه المسألة
تبتعد عن العلم ابتعاد نبات الدأماء[١] عن بنات السماء.
بيد أنّ ذلك وإن عزّ وعنّى، ولكن شيئاً منه لم يقف سدّاً في سبيل نصراء الحقيقة، ولم يقعد بهم عن القيام بعباء هذه الوظيفة، فلا تجد عصراً من العصور على ربوات السنين وكتلات الليالي والأيّام إلّاوتجد لهم في ذلك إشراقات شموس بازغة وضربات حجج دامغة، كما تجد- على ناموس التنازع- لشرذمة من المهوّسين ما هو من نقيق الضفادع عند زمجرة الأُسود!
نعم، لم تزل تلك الهوسات والسمادير سنّة في الكون، تتمالى على متون الملوين[٢]، وتستجدّ على كرّ الجديدين[٣]، تقوى وتضعف وترقّ وتكثف، حتّى قذفت لنا أعاصير عصورنا هذه بخشارة[٤] من الناس وسفلة من صورة البشر حسبوا أنّ الفلسفة إنّما هي بتشقيق الكلام وتزويق الألفاظ والعكوف على غرائب الغربيّين وكلمات المادّيين والطبيعيّين، فما لبثوا أن تمادى فيهم الغرور وطغى بهم طوفان الجهل حتّى قال قائلهم (سلّ اللَّه أسلة لسانه كما سلّ عقله بيد شيطانه): (إنّا قد قتلنا إلهنا واسترحنا!).
نعم، قد أحيا جهله، وأمات عقله، وقتل وجدانه، وأخمد إحساسه، وخنق شعوره.
[١] الدأماء في الأصل: البحر.( لسان العرب ٤: ٢٧٥).
[٢] المَلَوان: الليل والنهار، أو طرفاهما.( القاموس المحيط ٤: ٣٩٤).
[٣] الجديدان: الليل والنهار.( المصدر السابق ١: ٢٩١).
ويقال: لا أفعله ما كرّ الجديدان والملوان.( جمهرة الأمثال ٢: ٢٨٢).
[٤] الخُشَارة: ما يبقى على المائدة ممّا لا خير فيه، وكذلك الرديء من كلّ شيء... وفلان من الخشارة، إذا كاندوناً.( صحاح اللغة ٢: ٦٤٥).