الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٢٥ - السانحة الخامسة
المجادلات الكلامية، وتترسّل في الإقناع بها ترسّلًا يكشف عنها القناع، وتلذّ به الأسماع، وتهشّ له الطباع بأُسلوب بيان يخرق الحجب الكثيفة، ويهزّ العواطف الشريفة، تتكهرب بسيّال سلاسته أسلاك الأذهان، وتتقبّله القلوب قبل الآذان، كي تنفسخ هناك شبهات المشكّكين وترتسخ في النفوس أُسس العقائد وأُصول الدين.
وقفت في وسطة مركزي وأرسلت أشعّة النظر إلى من في محيط دائرتي، فوجدت الكثير من هذه الأشباح الماثلة والصور المتجوّلة- لا أخصّ منتحلة دين الإسلام بل عامّة الأنام- قد فرغ وطابها[١] ونغل أديمها[٢] وحلم إهابها[٣] وتملّصت أوابد نفوسها وشوارد قلوبها من عقلة الدين وروابط اليقين ورسوخ العقائد والخضوع إلى قادة الشرائع، قد مرق الكثير إلى منازع الطبيعة ومخادع الملاحدة، حتّى تغالوا وتطرّفوا فيها بما لا تتغالى وتتناصر به أهل المذاهب الحقّة لأديانها- سيّما الأحداث والأغرار والنشأ الصغار- واقتنع آخرون بظاهر النحلة ومجرد الاعتزاء والنسبة، وهم من ضعف العلاقة بما يعتزون إليه على حال يميل بهم عنه لأوّل عارض شبهة، وينقلبون عليه لأدنى نابض تشكيك.. (حاشا من استحكمت بالمعارف عراهم)، وبالعزيز عليّ أن أقول: وقليل ما هم.
وجدت من أقوى الأسباب والعوامل في سريان الداء وانتشار عدوى هذا الهواء الأصفر على عقائد المسلمين ومروقهم من مشرق هذا الدين إلى منازع
[١] الوطب: سِقاء اللبن خاصّة، والجمع: وطاب، وأوطاب.( جمهرة اللغة ١: ٣٦٢).
[٢] نغل الأديم: فسد في الدباغ.( القاموس المحيط ٤: ٦٠).
[٣] الحَلَم: أن يفسد الإهاب( الجلد) في الغمل( لفّ الإهاب ودفنه ليسترخي)، ويقع فيه دود، فيتثقّب.( صحاح اللغة ٥: ١٩٠٣).