دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٨٠٨ - سورة النساء(٤) آية ٤
بل بعموم الناس.
و على هذا فالأصل الأولي عند إرادة الدخول في دار الغير اعتبار إذنه، و استثني من ذلك ما إذا لم تكن الدار مسكونة لساكن خاصّ.
كما استثني من ذلك ما أشارت إليه الآية الأخرى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى ...، و هو ما إذا كانت الدار راجعة إلى أحد العناوين الأحد عشر، فمن دخل دار عمّه أو خاله أو عمته أو ... جاز له الأكل مما هو موجود فيها بلا حاجة إلى طلب الإذن.
و من خلال هذا كلّه يتّضح ان ما استفدناه من الآيات الكريمة يمكن تلخيصه بالشكل التالي:
١- لا يجوز التصرّف في مال الغير إلّا بطيب نفسه.
٢- إذا أراد شخص دخول دار غيره فعليه بأمور ثلاثة: الإشعار بإرادته للدخول، و السّلام، و تحقّق الإذن.
٣- إذا لم يكن في الدار شخص يصلح لكسب الإذن منه فلا يجوز الدخول فيها إلى ان يثبت تحقّق الإذن.
٤- يستثنى من الحكم بعدم جواز دخول دار الغير من دون إذنه موردان:
أ- الأماكن العامّة.
ب- بيوت أحد العناوين الأحد عشر المذكورة في الآية الكريمة[١].
[١] جاء في الآية الكريمة ٦١ من سورة النور: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ، و ما هو المقصود من ذلك؟
ربما يقال: ان المقصود الحكم بجواز استصحاب أحد هؤلاء الثلاثة معكم إذا أردتم دخول بيوت أحد العناوين الأحد عشر و جواز مشاركتهم في الأكل.
و ربما يقال: ان المقصود استثناء هذه العناوين الثلاثة من الحكم بوجوب الجهاد.
و ربما يقال: ان المقصود شيء ثالث، و هو انه كان يفرد لهؤلاء الثلاثة موائد خاصّة بهم-- خوفا من ان يغمط حقّهم لو اشتركوا مع غيرهم في مائدة واحدة- إذ الأعمى لا يرى الغذاء الجيد و ربما يأكله غيره دونه، و الأعرج و المريض قد يتأخّران في التقدّم إلى المائدة و يسبقهما السالم و يأكل أكثر الطعام- فنزلت الآية الكريمة لتنفي المانع عن المشاركة في مائدة واحدة. لاحظ مجمع البيان ٧: ٢١٧.
و جاء في الآية الكريمة: وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ، و المقصود بيوت أبنائكم أو بيوت زوجاتكم. انظر مجمع البيان ٧: ٢١٧.
و جاء في الآية أيضا: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ، و المقصود من دفعت إليه مفاتيح البيت لشدّة الصلة أو الوثاقة به. و ربما يفسر بالوكيل كما جاء في الرواية، فلاحظ وسائل الشيعة ١٦: ٥٣٠، الباب ٢٤ من أبواب آداب المائدة، الحديث ٥.
و جاء أيضا أَوْ صَدِيقِكُمْ، و هذا يدلّ على ان الصداقة أمر محبوب في الإسلام حتى جوّز للصديق الأكل من بيت صديقه.