دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٨٧٥ - سورة النور(٢٤) آية ٣١
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ[١]، ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ[٢].
و لعلّ المقصود من الجهالة الغفلة عن عظم الخطيئة و شدّة العقوبة، فلا يعلم المذنب ما ذا ارتكب و أيّ شيء قد جنى على نفسه؟ و لا يدرك فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[٣] و لا إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً[٤] و لا ...
و يحتمل ان يكون المقصود من الجهالة مجموعة الإغواءات الشيطانية- فيكون معنى الجهالة على هذا واحدا- و ان ما صدر من المذنب قد صدر لا لعناده بل لتسويل نفسه و إغواء الشيطان له بذلك، كما جاء في دعاء أبي حمزة الثمالي: «إلهي لم أعصك حين عصيتك و أنا بربوبيتك جاحد و لا بأمرك مستخفّ و لا لعقوبتك متعرّض و لا لوعيدك متهاون لكن خطيئة عرضت و سولت لي نفسي و غلبني هواي»[٥].
٤- هناك بعض النعم التي ربما لا يصل إليها الذهن مهما فكّر و تدبّر، من قبيل نعمة فتح باب التوبة للعباد المذنبين و عدم سدّه ممّا يوجب اليأس و القنوط، و من ثمّ انحراف العبد المذنب انحرافا تاما، كلا بل فتح له مع الترحيب الكامل و الاستقبال بحفاوة، و أي حفاوة أرقى و أسمى من قول ربّ العزة: وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ
[١] النساء: ١٧.
[٢] النحل: ١١٩.
[٣] الزلزلة: ٧- ٨.
[٤] النساء: ١٠.
[٥] مفاتيح الجنان ١٩٢، دعاء أبي حمزة الثمالي.