دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٨٢٠ - * الآية ٤٠٨ سورة التوبة(٩) آية ٧٣
دين السّلام فكلّ ما يدعو إلى السّلام و إيقاف الحروب و إراقة الدماء مطلوب لديه و أمر محبب.
و لما كانت العرب قبل الإسلام قد اعتادت على الحروب و القتال بل قامت حياتها على أساس ذلك كانت تواجه عسرا في الامتناع عن القتال خلال أشهر ثلاثة متواصلة فتحاول لذلك تأخير حرمة شهر محرم إلى شهر صفر فيجعل هذا مكان ذاك.
و كان يوافي الموسم كلّ عام جنادة بن عوف الكناني المكنى بأبي ثمادة، و متى ما أرادت طائفة من العرب الإغارة على غيرها جاءته قائلة له: أحلّ لنا هذا الشهر، أي شهر محرم فيحلّه عليهم و يحرّم عليهم بدله صفر، يفعل معهم هكذا في عام، و في عام آخر يرجع التحريم إلى محلّه و هو محرم، ففي عام تنقل الحرمة من محرّم إلى صفر و في عام آخر ترجع إلى محلّها، و هم بهذا يحاولون المحافظة على عدد الأشهر الحرم و لا يتلاعبون فيها من هذه الناحية بل يتلاعبون في موضعها[١].
و عملية التأخير هذه يطلق عليها اسم «النسيء»[٢].
و قد يطلق على الشهر الذي أخّر فيقال هو نسيء[٣].
و قد جاءت الآية الكريمة لتحرّم هذه العملية المعبّر عنها بالنسيء، فانها نحو تلاعب بالتشريع الإلهي و حكمت عليها بانها زيادة في الكفر باعتبار انهم من الأساس كفّار و يعبدون الأصنام و هذا التلاعب زيادة في الاستهانة باللّه سبحانه و بتشريعه.
هذا و قد يظهر من بعض كتب الأثر ان عملية النسيء لم تختصّ بشهر محرّم
[١] مجمع البيان ٥: ٣٨، و تفسير الصافي ٣: ٤٠٨، و الدر المنثور ٣: ٤٢٦.
[٢] مجمع البحرين ١: ٤١٤.
[٣] تفسير الميزان ٩: ٢٨٠.