بحوث في علم الرجال - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٢ - البحث الثالث في مدرك حجية قول الموثقين و الجارحين
الثّاني: في صحّة القول المختار.
أمّا المقام الأوّل، فنقول: أمّا الرّأي الأخير من أن اعتبار أقوال علماء الرجال من جهة إيراثها الاطمئنان، ففيه إشكال من جهتين:
الأوّل: إنّ الاطمئنان و إن كان كالقطع في الحجيّة، فإنّه طريق عقلائي في كافة جهاتهم، حتّى في أمثال النفوس و الفروج، و الأموال الخطيرة. و من الظّاهر اتّصال هذا البناء بزمان صاحب الشّريعة صلّى اللّه عليه و آله، بل بزمان من قبله، بل لا يبعد تحقّقه في زمان آدم عليه السّلام و شارع الإسلام عليه السّلام لم ينه عن هذا البناء و لو برواية ضعيفة سندا، فهو عنده أيضا معتبر.
و دعوى ردعه بالآيات و الرّوايات النّاهية عن اتّباع غير العلم، و العمل بالظّن ضعيفة جدّا، فإنّ الاطمئنان عند العرف علم و مبائن للظنّ، و إن كان بالنّظر العقلي نوعا منه، و على كلّ حال فمناقشة جملة من الأكابر منهم سيّدنا الأستاذ الحكيم رحمه اللّه في حجيّة الاطمئنان في غير محلّه، بل خلاف عملهم اليومي. بل في مستمسكه[١] ما يدلّ على موافقته للمختار و رجوعه عمّا ذكره في عدم حجيّة الاطمئنان.
إذا: فلا شكّ في أنّ الاطمئنان طريق عقلائي شرعي في إثبات الأحكام الشّرعيّة، لكن ليس معنى ذلك هو أنّ الأحكام الشّرعيّة و الموضوعات المستنبطة و الموضوعات الخارجيّة الصّرفة، الّتي تترتّب عليها الأحكام الجزئيّة أو الكليّة لا يثبت شيء منها، إلّا بالإطمئنان، كما يظهر من كلام المامقاني، فإنّه كلام بلا دليل، بل هو مقطوع البطلان عند الفقيه.
نعم، لا شكّ في أن حجيّة الأمارات و الأصول و الطّرق تنتهي بالأخرة إلى القطع أو الاطمئنان، دفعا للدور و التّسلسل، لكن الأحكام و مبانيها منها ما هو مظنون الثبوت، و منها: ما هو معلوم الثبوت. و منها:- و هو الأكثر- ما هو ثابت تعبّدا، بل ربّما يكون مرجوح الثبوت، كما في بعض ما يستصحب.
الثّاني: إنّ قول الرجاليّين بالمدح أو الذّم لا يفيد الاطمئنان الفعلى، كما يظهر لمن راجع أقوالهم، و لا سيّما مع بعد الزّمان بينهم و بين الرّواة. فقد تأخّر زمان الكشّي و النجّاشي و الشّيخ و أضرابهم، من أقطاب الجرح و التعديل أكثر من قرنين عن زمان جملة من الرّواة، فكيف يحصل الاطمئنان بأقوالهم؟
[١] . مستمسك العروة الوثقى: ٧/ ٢٠٦.