معارف قرآنيه - فوزي آل سيف - الصفحة ٢٣١ - آيات تنسب المعصية للأنبياء كيف تفسر؟
فهنا نحتاج إلى أن نستنطق أهل الذكر في رواياتهم التفسيرية، وهم سيخبروننا عن أن المجتمع القبطي الفرعوني قد وصل مرحلة من الاضطهاد لأتباع النبي موسى بحيث كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، ويستخدمون سخرةً أصحاب القوة منهم.. وفي احدى هذه المرات كان قبطي يريد قتل اسرائيلي فاستغاث هذا بموسى فجاء مدافعا عنه، فقتل القبطي هنا من ضربة موسى وكان يريد دفعه عن صاحبه.. فمات.[١]
وهكذا نسبة الذنب إلى رسول الله(ص).. فكيف يمكن أن ينسب الله لنبيه ذنبا من الذنوب وهو الذي لم يخلق في الخلق من يساويه؟ ثم ما هذا الذنب؟ وتجاه من؟
يفسر المعصومون ذلك بأنه الذنب في رؤية القرشيين، وهو ما كانوا يتشكون منه عند أبي طالب قائلين له: إن ابن أخيك سب آلهتنا، وأفسد شبابنا.. فلم يكن عندهم أحد أعظم ذنبا منه حيث قاوم عادات وديانة ذلك المجتمع القرشي، فحقدوا عليه وحاولوا قتله، وجيشوا الجيوش ضده حتى إذا فتح النبي مكة، ووقف منهم ذلك الموقف الاخلاقي النبيل وعفا عنهم، أزال ذلك الموقف ما في نفوسهم مما رأوه ذنبا عظيما له تجاههم.[٢]
[١] في رواية عن الإمام الرضا(ع) ما يشرح هذه الآيات عندما سأله المأمون عن قول الله عز وجل {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان} فقال(ع) إن موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه} فقضى موسى على العدو وبحكم الله تعالى ذكره {فَوَكَزَه} فمات {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان} يعنى الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى(ع) من قتله (إنه يعنى الشيطان {عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين} فقال المأمون: فما معنى قول موسى {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة {فَاغْفِرْ لِي} أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني. عن عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق.
[٢] في حوار المأمون العباسي مع الامام علي بن موسى الرضا(ع) حول الآيات التي توهم ارتكاب الذنب، لما أورد الآية المذكورة قال الامام الرضا(ع): لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله (ص )لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة وستين صنماً فلما جاءهم (ص ) بالدعوة إلى كلمة الاخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ *} فلما فتح الله عز وجل على نبيه (ص) مكة قال له يا محمد: (انا فتحنا لك ) مكة (فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ومن بقي منهم لم يقدر على انكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه فصار ذنبه عندهم ذلك مغفورا بظهوره عليهم. عيون أخبار الرضا ٢/ ١٨٠