معارف قرآنيه - فوزي آل سيف - الصفحة ٩٢ - عن الإعجاز العلمي والتشريعي في القرآن
ويقدمون كتبهم فيقول أحدهم، {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} أي تعالوا وانظروا {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) (وظننت بمعنى استيقنت)[١] أي أنني كنت متيقناً من هذا الأمر فهو (بناءً على هذا) في عيشةٍ راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية،.
فهذا مشهد من المشاهد كلماته هادئة وخفيفة. وبشارات وطمأنينة {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} ومع الجنة التي هي معدة في الأساس للمؤمن بكل ما فيها ومع ذلك يحصل المؤمن على مزيد من التكريم والاحتفاء والدعوة للاستمتاع بما فيها (كلوا واشربوا).
ومشهدٌ آخر: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} يا ليتني لم أعط كتابيه! ويا ليتني كنت قضيت قبل أن أصل إلى هذا الموقف ثم يبدأ بعد ذلك الندم وتوبيخ الذات فيقول: {مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}[٢]. فأين هذا التكبر والتجبر وأين الظلم والخيلاء؟ وما نفع المال والسلطان والأعوان؟ أين كل ذلك؟ هلك عني سلطانية ثم يأتي بعد ذلك الجواب:
فلا يقول إن مصيره جهنم أو القوه في النار وإنما يقول (خذوه فغلوه)وكأنك تسمع الصوت وهنا تغيرت اللهجة، فأين هذا وأين العيشة الراضية وأين الجنة العالية {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ *}[٣] والسبعون هنا استخدمت للتكثير. فيصور القرآن بهذا البيان الجانب
[١] قال المفسرون بأن الظن المتعلق بالآخرة يقين، وقال بعضهم: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وقد وردت الكلمة بمعنى استيقن في مثل قوله تعالى في سورة البقرة: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ *الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
[٢] الحاقة ٢٥- ٢٩.
[٣] الحاقة ٣٠ـ ٣٢