الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ١٤٥ - الفصل الثالث في ما ورد عن الأنبياء والأوصياء والحكماء في أمثلة الدنيا
ومن أحسن ما يمثل به حال الإنسان في الدنيا بحال رجل يمشي في صحراء وسيعة، فإذا بأسد عظيم ذي خلق جسيم مقبل عليه ليفترسه، فبقي هذا الضعيف المهان متحيراً مدهوشاً لا يدري ما الحيلة وليس له سلاح يدفعه به ولا ملجأ يتحصن به ، فنظر إلى بئر هناك فولج [٦٥٥]) فيها ((خائِفاً يَتَرَقَّبُ))[٦٥٦])، فمنذ وصل إلى وسطها رأى حشيشاً نابتاً في وسطها على الحائط، فتشبث به وهو يعلم أنه لا يفيده ولكن الغريق يتشبث بالحشيش، فنظر إلى فوقه فرأى الأسد منتظراً لخروجه حتى يفترسه، فنظر إلى قعر البئر فرأى أفاعي أربعاً فاتحة فاها لالتقامه بعد السقوط، فبينما هو في هذه الأهوال الجسيمة والأحوال العظيمة لا يمكنه الصعود من الأسد والهبوط من الأفاعي والحشيش لا يحتمله إذ قد خرج من الحائط جرذان أسود وأبيض وشرعا يقترضان ذلك الحشيش آناً فآناً، فبينما هو في هذه الأحوال إذ رأى قليلاً من العسل ممزوجاً ببعض التراب القذر قد اجتمع عليه الزنابير والذباب، فشرع في مخاصمتهم والأكل معهم وقد صرف جميع باله وخاطره إلى ذلك العسل ونسي ما هو فيه من البلاء، فهذا مثل الإنسان في انهماكه بلذات الدنيا.
فالأسد هو الموت الذي لا محيص منه ولا مفر عنه ((أَيْنَماا تَكُونُواْ يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ))[٦٥٧] والأفاعي الأربع الأخلاط الأربعة[٦٥٨] أيها
([٦٥٥]) ولج يلج ولوجا ولجة: دخل.
القاموس المحيط، الفيروز آبادي: ١/ ٢١١، مادة "ولج".
([٦٥٦]) سورة القصص/ ١٨.
([٦٥٧]) سورة النساء/ ٧٨.
([٦٥٨]) رأي ديمقريطيس وشيعته: يقول في المبدع الأول: إنه ليس هو العنصر فقط، ولا العقل فقط، بل الأخلاط الأربعة، وهي: الأسطقسات، أوائل الموجودات كلها.
الملل والنحل، الشهرستاني: ١٧١، الفصل الثاني الحكماء الأصول، الرقم ٤ رأي ديمقريطيس وشيعته.
الطبائع، أي: الأخلاط الأربعة، أو الأمزجة الأربعة، من الحار والبارد والرطب واليابس، أو الأربعة المركبة من الحار اليابس والحار الرطب والبارد اليابس والبارد الرطب.
تحب ما يشاكلها،أي: تطلب ما يوافقها فصاحب المزاج الحار يطلب البارد والرطب يطلب اليابس، وهكذا.
فاغتذ في بعض النسخ بالغين والذال المعجمتين، أي: اجعل غذاءك، وفي بعضها بالمهملتين من الاعتياد لم يغذه، يقال: غذوت الصبي اللبن فضمير لم يغذه، إما راجع إلى الطعام، أي: لم يجعل الطعام غذاء لجسده، أو إلى الجسد، وعلى التقديرين أحد المفعولين مقدر، والحاصل أنك إذا تناولت من الغذاء أكثر من قدر الحاجة يصير ثقلا على المعدة، وتعجز الطبيعة عن التصرف فيه، ولا ينضج، ولا يصير جزء البدن، ويتولد منه الأمراض، ويصير سببا للضعف، وكذلك الماء، أي: ينبغي أن تشرب من الماء أيضا قدر الحاجة.
بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ٥٩/ ٣٣١، كتاب السماء والعالم، باب ٩٠ الرسالة الذهبية، ذكر فصول السنة.