الاخلاق - السید عبدالله شبر - الصفحة ١٣٥ - الفصل الأول في معرفة الدنيا والآخرة
فحينئذ الدنيا عبارة عن كل شيء يوجب البعد عن الله وإن كان صلاة وصوماً وحجاً وجهاداً وإنفاقاً وزهداً وقناعة، والآخرة كل شيء يوجب القرب من الله تعالى وإن كان مالاً ونساءً وخدماً وحشماً.
نعم في أغلب الأوقات وأكثر الأشخاص لا يتمكن الإنسان من التقرب إلى الله تعالى والإخلاص له إلاّ بترك المباحات فضلاً عن الشبهات والمحرمات، ولذلك حث الأنبياء الناس على ترك ما يوجب الميل إلى الدنيا وإن كان يمكن أن يتوصل به إلى الآخرة، لأن النفوس ضعيفة والشيطان قوي.
وبتقرير آخر نقول: الدنيا والآخرة عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك، والقريب الداني منهما يسمى دنياً لدنوه، وهو كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهو ما بعد الموت، فكل ما لك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك، إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم، بل هو على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يصحبك في الدنيا وتبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو العلم بالله وصفاته وأفعاله، ((وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ))[٥٨٤] وشرائعه وأحكامه والعمل الخالص لوجه الله، وقد يلتذ الإنسان في الدنيا بالعلم والعبادة ويكونان عنده ألذ الأشياء، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء وقرة عيني في الصلاة[٥٨٥]. فجعل الصلاة من جملة الدنيا لدخولها في عالم الحس[٥٨٦]
[٥٨٤] سورة البقرة/ ٢٨٥.
[٥٨٥] معدن الجواهر، أبو الفتح الكراجكي: ٣١، باب ذكر ما جاء في ثلاثة.
[٥٨٦] قال حميد الدين: "كان عالم العقل والنفس سابقا في الإبداعية على عالم الحس الذي هو الدنيا".
مصابيح الإمامة، حميد الدين الكرماني: ٤٢، المصباح الرابع في إثبات صورة السياسة الربانية التي هي دار الجزاء ووجوبها، وأن دارها غير دار الدنيا التي هي العالم الطبيعي.