فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٤٩ - دور الزمان والمكان في علم الفقه الاُستاذ الشيخ محمّد جواد اللنكراني
ولا ينحصر التأكّد من وجود العلّة بالتصريح بها ، بل قد نتأكّد من وجودها من طرق اُخرى ، ففي رمي الجمرات ـ مثلاً ـ نعلم من خلال مناسبات الحكم والموضوع عدم مدخليّة حجم الجمرة طولاً وعرضاً في الحكم; لأنّا نطمئنّ بأنّ المقصود بالرمي هو استذكار عمل إبراهيم (صلى الله عليه و آله و سلم) والتأسّي به في امتثال الحكم الإلهي ، وانطلاقاً من ذلك فإنّه يمكن الإفتاء بصحّة الرمي على المقدار المضاف إلى الجمرة ، الأمر الذي استشكل فيه بعض الفقهاء العظام(٩) .
هذا إذا كان الحكم عباديّاً ، وأمّا لو لم يكن كذلك ، أي لم يؤخذ فيه قصد القربة ، كما في تحريم الموسيقى ـ مثلاً ـ حيث لم تذكر علّة تحريمها ، فأنّ على الفقيه أن يتعرّف على العنوان العامّ الذي يدخل تحته التحريم ، هل هو اللهو أو الباطل أو غير ذلك من العناوين المحرّمة الاُخرى ؟
وينبغي الالتفات هنا إلى أنّه لا يشترط القطع بالعلّة وإحرازها بنحو اليقين ، بل يكفي في ذلك الوثوق والاطمئنان . يقول المحقّق السيد البروجردي (قدس سره) في بحثه في أسانيد الأخبار : إنّ الخبر لو لم يبلغ حدّ التواتر إلاّ أنّه قد تعدّد نقله مراراً بحيث أورث الوثوق لدى الفقيه بصدوره ، كفى ذلك في العمل بذلك الحديث . ويمكن الاستفادة من هذا الرأي لتذليل الكثير من الصعاب .
وتكمن المشكلة لدى الموافقين لمسألة تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد ، والمخالفين لذلك عند قضيّة تحديد العلّة في الحكم ، فالمنكرون ينكرون إمكانيّة تغيّر الحكم على أثر مضيّ الزمان وتغيّر الظروف لو لم يكن منصوص العلّة ، والحال إنّا نرى إمكانيّة تغيير الحكم إذا اطمأنّ الفقيه ـ من خلال تتبّع النظائر والأشباه ـ بالعلّة ، فيكون الحكم من قطعي العلّة ، فإذا خرج موضوعه منها ودخل تحت غيرها تغيّر حكمه .
(٩) المعتمد ٥ : ١٩٦ .