فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٥٠ - دور الزمان والمكان في علم الفقه الاُستاذ الشيخ محمّد جواد اللنكراني
ومن هذا القبيل موضوع الشطرنج ، وإن كانت الحرمة الواردة بشأنه في النصوص لم ترتّب عليه بشكل مطلق ، فإنّ التأمّل في أدلّة التحريم يعطي أنّه ثابت للشطرنج باعتباره من آلات القمار إذا كان مع الرهان .
والمهم هنا هو أنّه في الموضوعات غير العباديّة التي لا يتحكّم فيها التعبّد ، بل يتحكّم فيها الارتكاز العقلائي ، بحيث تكون قابلة للإدراك من قبل العقلاء ، فإنّ على الفقيه أن يفحص عن تلك النكتة ، فإذا اطمأنّ إلى تشخيص العلّة أدرج المسألة في صغريات مسألة تأثير الزمان والمكان مع تغيّر الظروف والأوضاع .
ولتوضيح الفكرة نذكر مثالاً آخر من باب الحدود ، حيث ورد في الروايات الصحيحة لزوم تغريب الزاني غير المحصن ـ رجلاً كان أو امرأة ـ سنة عن بلده ، مضافاً إلى إجراء الحدّ عليه(١٠) .وقد أفتى بعض الفقهاء بذلك استناداً إلى الروايات المذكورة ، فيما كان في مسألة عند البعض الآخر مجال أوسع للتدقيق والتأمّل فيها فأفتوا بعدم الجواز; معلّلين ذلك بأنّ إخراج المرأة اليوم من رقابة الاُسرة مدعاة لمزيد من الفساد(١١) .
وأمّا الفتوى بجواز التغريب فهي صادرة في زمان لم تكن فيه آنذاك سجون خاصّة بالنساء ، أمّا اليوم فمع وجود هذه السجون ، فإنّه يجوز التبعيد والتغريب إليها . ولكن ينبغي التفريق هنا بين السجن والتغريب ، فالتغريب هو النفي إلى مكان يبعد عن المكان الذي يُعرف فيه ، وبسبب هذه المعرفة قد يكوّن بعض العلاقات مع الآخرين ، وأمّا السجن فلا فرق فيه بين أن يكون في بلده أو غيره .
والنتيجة هي إنّ الأمر بالنفي في هذه النصوص إنّما هو من باب الإرشاد للابتعاد عن المحيط الذي كان يألفه .
(١٠) الوسائل ١٨ : ٣٤٧ .
(١١) جواهر الكلام ٤١ : ٣٢٩ .