فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٢ - دور الزمان والمكان في علم الفقه الاُستاذ الشيخ محمّد جواد اللنكراني
وقال في موضع آخر : « إنّ الأحكام المتغيّرة من صلاحيّات الحاكم ، وهيفي ظلّ الأحكام الثابتة ، والأحكام الإلهيّة التي هي متن الشريعة ، ثابتة ومستقرّة دائماً ، وليس لأحد حتى وليّ الأمر تغييرها بحسب مقتضى المصلحة »(٤١).
فالمستفاد من هذه النظريّة وجود أحكام ثابتة في الشريعة ، وغير قابلة للتغيير إطلاقاً كالحكم بنجاسة الدم ، فإنّه حكم ثابت في جميع الأعصار والظروف مهما تغيّرت . ولكن ثمّة فروع مرتبطة بهذا الحكم قابلة للتغيير بمرور الزمان ، كمسألة المعاملة على الدم ، وهكذا الحكم بوجوب الزكاة ، فإنّه حكم كلّي ثابت لا يتغيّر ، وإن كانت موارده قابلة للتغيير باختلاف الأزمنة ، ومثله صحّة البيع كحكم كلّي ثابت في الشريعة ، ولكنّ خصوصيّاته ومصاديقه قد تتغيّر .
لكن مثل هذا التفكيك لا يمكن تطبيقه في العبادات غالباً ، حيث إنّ الأحكام الكلّية فيها ، كالصلاة ـ مثلاً ـ ثابتة مع تمام جزئياتها وخصوصيّاتها ، ولا تقبل التغيير في جميع الأزمنة والأمكنة .
نعم ، في أحكام العبادات ثمّة ما هو قابل للتغيير بمرور الوقت ، فمثلاً في موضوع السعي بين الصّفا والمروة الواجب هو أصل السعي بينهما ، وأمّا إنّه من أين يبدأ بالصّفا ، وإلى أين ينتهي بالمروة؟ وهل السعي كما كان في زمن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، حيث كان للصّفا مدرّجات فكان يتمّ سعيه ماشياً إلى الدّرجة الرابعة ، فمع زوال هذه المدرّجات اليوم كيف يكون السعي؟ فهل يجب وضع مؤخّر القدم على الصّفا عند البدء بها والأصابع على المروة عند الختم بها ، كما ذهب إليه بعض الفقهاء؟ أو إنّ ذلك متروك إلى العرف ، ولا دخل للشارع فيه ، وإنّما على الشارع بيان أصل الحكم الكلّي للسعي؟
أسئلة قابلة للعلاج والإجابة عليها في ضوء المتغيّرات الطارئة على موضوعها، وهو أمر متروك لعلم الفقه .
(٤١) المصدر السابق ، العدد ( ٦ ) ، السنة الثانية .