فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٩ - الإطلاق المقامي الاُستاذ الشيخ محمد القاييني
الوجه الثالث :هو الظهور الحالي ، بتقريب : أنّه إذا کانت هناك سيرة راسخة بحدّ لا يخطر ببال الناس مغايرة المشرّع في طريقته لمسلکهم فيطبّقونها علي الشرعيّات عفواً ، وهذه السيرة بمرأى من الشارع وبمحضره وهو مطلّع علينا ، فلئن کان مخالفاً لتلك السيرة غير راضٍ بها ولا موافق معها لوجب عليه التنبيه علي ذلك ردعاً لأتباعه من متابعتها وتنبيهاً لهم علي مجانبتها ؛ فإنّه بسکوته يعلن الموافقة وبعدم الردع يظهر الرضا بالغضّ عن استلزام سکوته علي تقدير المخالفة فوت الغرض ، کما کان مقتضي بعض ما تقدّم .
وهذا البيان أشبه بالتقرير الذي هو ملاك اعتبار سيرة المتشرّعة ؛ فإنّ ظهور الأمر بمنزلة إظهار نسبة الشيء إلي شخص بحضرته ، فکما أنّ السکوت عن نفي النسبة فيما نسب إلي شخص بحضوره أمر ظاهر أشدّ الظهور علي الموافقة على تلك النسبة إذا لم يکن محذور في النفي کتقيّة ونحوها ، کذلك السکوت عن الردع عن السيرة الظاهرة الراسخة ظاهر بنحو أکيد في الرضا بها .
بل هذا الظهور هو الدليل علي اعتبار المعاجز الصادرة عن الأنبياء والأولياء ؛ فإنّ سکوت الله عن الردّ علي مدّعي النبوّة مقترناً بإظهار المعاجز ظاهر بوضوح في عدم ردّ الدعوى والإرسال ، فهو کما لو ادّعي شخص عند الملك أنّه منصوب من قبله في إمارة وسکت ، وهو کما لو ادّعي شخص الوکالة عن غيره بحضوره ولم يردّ عليها .
وبالجملة : هذا السکوت ليس أضعف دلالة من التکلّم بکلام ظاهر في الموافقة ، فإذا کان الظهور القولي حجّة عند العقلاء لم تکن حجّية الظهور العملي في السکوت أضعف اعتباراً من ظهور الأقوال ، فلا مناص من حجّيته .
هذا ، إذا لم يکن السکوت نصّاً ـ لا ظاهراً ـ في الموافقة ، وإلا فالأمر أوضح .
ثمّ إن کان اعتبار السکوت بملاك الظهور وکان اعتبار الظهور بملاك استلزام السکوت عن الردع عنه مع عدم الموافقة عليه هو فوت الأغراض بسريان العمل