فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٨ - الإطلاق المقامي الاُستاذ الشيخ محمد القاييني
وإن شئت قلت : يدور الأمر بين حمل هذه الألفاظ علي المفاهيم العرفية وبين کونها مجملات ويکون صدورها لغواً من الحکيم ، وحيث لا يجوز الثاني فيتعيّن الأوّل .
فإن قلت: لم لا يجوز صدور المجمل من الحکيم وربّما يکون في الإجمال غرض ، وقد صرّح الکتاب العزيز باشتماله علي الآيات المشتبهة أو المتشابهة .
قلت :ليست الدعوى امتناع صدور المجمل في الحکيم ، وإنّما المقصود امتناع کون کلمات الشارع بأسرها مجملات لکلّ أحد ، فإنّ الحکيم قد يجمل في بعض کلماته ؛ ولکن لا يجعل کلّ کلامه مجملاً ؛ فإنّ الغرض من التکلّم هو التبيين وإعلام المخاطب ، والإجمال منافٍ لهذا الغرض ، وأمّا ما اشتمل عليه الکتاب العزيز من متشابهات الآيات ـ بناء على إرادة المجمل من المتشابه ـ فهي متشابهات بالنسبة إلي بعض الناس ؛ وإلا فإنّ الأئمّة (عليهم السلام) الذين نزل الکتاب في بيتهم عارفون بما اُريد منها ، ولا إجمال لها بالنسبة إليهم .
ولا تجوز دعوى أنّ خطابات الشارع بأسرها معلومة للأئمّة (عليهم السلام) وإن کانت مجملة بالنسبة إلينا ؛ فإنّ الأئمّة (عليهم السلام) حاورونا وتکلّموا معنا وخاطبوا أصحابهم ، ولا يصح أن يحاورونا بما لا يعبّر عن مقصودهم ، ولا يبيّن عمّا في ضميرهم ، فلا مناص من تنزيل کلماتهم (عليهم السلام) علي المفاهيم العرفية ، ولا معدل عن تفسير ألفاظهم علي أساس الأوضاع اللغوية والنکات الإرتکازية لو صح التعبير عن ذلك بالتفسير .
وما ذکرناه هو السرّ في إعمال النکات الأدبية والارتکازات الظريفة في کلام الله العزيز وفي کلمات سادات الدين (عليهم السلام) ؛ فإنّهم محيطون بذلك کلّه ، وحيث إنّه لم يکن لهم طريقة في المحاورة غير الطريق العرفي واللغوي فلا مناص من إعمال الدقّة في تطبيق الطريقة العرفية واللغوية حسب الارتکازات بالنسبة إلي کلام الله وأولياء الشرع الذين هم الوسائط في بيان الدين ، والله العالم .