فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٧ - الإطلاق المقامي الاُستاذ الشيخ محمد القاييني
فإنّ المتشرّعة يُعملون خبر الثقة فيما يتعلّق بالاُمور الشرعيّة غفلة عن احتمال اختلاف الشارع مع العرف في حجّية خبر الثقة ، ولا تفاوت في أنظارهم بين الأغراض اللازمة وغيرها ، فإذا لم يکن خبر الثقة حجّة ويکون إعماله مستلزماً لفوات الأغراض اللازمة لا محالة ـ حيث يعتمد في نفي التکليف مع احتماله کما يعتمد في تعيين متعلّقات التکاليف وتحديدها ـ کان سکوت الشارع عن الردع تعريضاً لأغراضه اللازمة إلي الفوات ، وهو مخالف لما تقتضيه الحکمة لا محالة .
فلا مناص من کون السکوت عندئذٍ دليلاً علي موافقة الشارع لطريقة العرف وعدم استلزامها فوات أغراضه .
ويمکن التعبير عن هذا الوجه ـ أعني فوات الأغراض ـ بتعبير آخر لو لم يکن هذا وجهاً آخر لاعتبار الإطلاق المقامي ، وهو استلزام السکوت الإغراء ؛ فإنّ العرف يغترّ بسکوت الشارع ويکون السکوت هو المسبّب له ، والتسبيب إلي الاغترار لا ينبغي من الحکيم و العاقل .
الوجه الثاني :لولا اعتبار الإطلاق المقامي لاستلزم ذلك الإجمال واللغز حتي لو لم يسبّب السکوت فوت الأغراض ولا التغرير .
وتوضيح ذلك : إنّ الشارع استعمل الألفاظ الدارجة في العرف ، ولم يحدّد لها مفاهيم في اصطلاحه حيث يطلقها ، فهب أنّ السامع لا يحمل الألفاظ علي المفاهيم العرفية عفواً وقهراً ، وهب أنّ المُخاطب لا يکون غافلاً عن احتمال مغايرة اصطلاح الشرع والعرف في هذه الألفاظ ، ولکن مع هذا وذاك ليس للشارع فرضاً مفهوم مبيّن لهذه الألفاظ غير ما هو معناها عرفاً ، فتعود هذه الألفاظ بأسرها مجملة في التعبير عن مقاصد الشرع لغواً في تبيين ما يريده الشارع من الناس ، ولا يکاد يصدر اللغو من الحکيم العارف ، ولا يليق ذلك به .