معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ١٨٣ - خطبة فاطمة ابنة الحسين (ع)
قال بشير: فو اللّه لقد رأيت الناس يومئذ حيارى، كأنّهم كانوا سكارى، يبكون و يحزنون، و يتفجّعون و يتأسّفون، و قد وضعوا أيديهم في أفواههم. قال: و نظرت إلى شيخ من أهل الكوفة كان واقفا إلى جنبي، قد بكى حتّى اخضلّت لحيته بدموعه و هو يقول: صدقت بأبي و أمّي، كهولكم خير الكهول، و شبّانكم خير الشبّان، و نساؤكم خير النسوان، و نسلكم خير نسل لا يخزى و لا يبزى [١] .
خطبة فاطمة ابنة الحسين (ع) :
و في مثير الاحزان و اللهوف: و خطبت فاطمة الصغرى فقالت: الحمد للّه عدد الرمل و الحصى، و زنة العرش إلى الثرى، أحمده و أومن به و أتوكّل عليه، و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّ أولاده ذبحوا بشطّ الفرات من غير ذحل و لا ترات. اللهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب أو أن أقول خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيّه علي بن أبي طالب، المقتول-كما قتل ولده بالأمس-في بيت من بيوت اللّه، فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعسا لرءوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته و بعد وفاته، حتّى قبضته أليك محمود النقيبة طيّب العريكة، معروف المناقب مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك لومة لائم، زاهدا في الدنيا، مجاهدا في سبيلك، فهديته إلى صراطك المستقيم.
أمّا بعد يا أهل الكوفة!يا أهل المكر و الغدر و الخيلاء!فإنّا أهل بيت ابتلانا اللّه بكم و ابتلاكم بنا؛ فجعل بلاءنا حسنا و جعل علمه عندنا و فهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، أكرمنا بكرامته، و فضّلنا بمحمّد نبيّه صلّى اللّه عليه و آله على كثير ممّن خلق تفضيلا فكذّبتمونا و رأيتم قتالنا حلالا و أموالنا نهبا،
[١] تاريخ ابن أعثم ٥/٢٢١-٢٢٦، و مقتل الخوارزمي ٢/٤٠-٤٢. و لا يبزى: لا يقهر.