في رحاب العقيدة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١١٩ - موقفهم من أحمد لا يتناسب مع موقفهم من مسنده
ولا يظهر لنا سبب لذلك إلا اشتمال المسند المذكور على كثير من مناقب أمير المؤمنين وأهل البيت (صلوات الله عليهم) وفضائلهم مما لم يذكره غيره، فلو جعلوه في جملة الصحاح المعدودة عندهم، أو قدموه عليها ـ لتقدم أحمد عندهم ـ لفتحوا على أنفسهم باباً يصعب عليهم التخلص من تبعات فتحه.
وعلى كل حال فمهما كان منشأ تقديمهم للأصول الستة المذكورة، وتسالمهم المدعى على قبول أحاديثه، فإن سلبياتها لا تبرر التعويل عليها من دون تمحيص وعرض على ضوابط الحجية المعروفة عند العقلاء التي عليها المعول شرع.
ولا ينفعهم مع ذلك ما أحاطوها به من هالات التعظيم والتقديس، وما استعانوا به لتركيزها من الكلمات الرنانة، والنعوت الضخمة، والتهويلات الرادعة، مثل ما تقدم عن كتابي البخاري ومسلم من أنهما أصح الكتب بعد القرآن المجيد، وقول الدهلوي المتقدم: "كل من يهون أمرهما فهو مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين"، ونحو ذلك مما تقتضيه طبيعة الجمود والتقليد التي تتحكم في مواقف كثير من الناس، فتفرض عليهم مسلمات لا حقيقة له، بل هي ((كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) [١].
وبعد هذا الاستعراض الطويل يتضح مدى اضطراب الجمهور، وخروجهم عن الطرق العقلائية التي عليها المعول في قبول الأخبار، وأنهم يفقدون المبررات العقلية، والحجج الشرعية المعذّرة مع الله تعالى يوم العرض الأكبر ((يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ)) [٢].
[١] سورة النور الآية: ٣٩.
[٢] سورة الدخان الآية: ٤١.