في رحاب العقيدة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٨ - لا مجال لقبول رواية الصحابي بمعناه الشامل
والمكابرة، فإن الإصرار على الخط، وإحاطته بهالة القداسة، وتأييده بالقضايا الخطابية والكلمات المنمقة، لا يجعله حق. وقد أوضحنا ذلك في غير موضع مما سبق، خصوصاً ما تقدم في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة، حيث اتضح هناك أن الصحبة بالمعنى المذكور لا تستلزم الإيمان، فضلاً عن العدالة. بل لابد من عرض مواقفهم على الشريعة.
فمن ثبت تحرجه والتزامه فهو عادل ـ بل قد يرتفع عن مرتبة العدالة إلى مرتبة التقديس ـ ويتعين قبول حديثه.
ومن ثبت خروجه عنها فهو فاسق ـ بل قد يهبط إلى درك النفاق ـ ويتعين ردّ حديثه. إلا أن تثبت بقرائن خارجية وثاقته وتحرجه عن الكذب، ففي قبول روايته الخلاف السابق. ومن جهل أمره يتوقف في حديثه، ويوكل أمره إلى الله تعالى، فهو أعلم به، وعليه حسابه.
هذا ما تقتضيه قواعد الاستدلال العلمية، وموازينه العقلائية، التي عليها عمل أهل المعرفة في جميع أمورهم، وبها تقوم الحجة من الله تعالى على عباده. وقد خرج عنها جمهور السنة لشبهات أفرزتها الخلافات المذهبية، ودعمها السلطان الغالب، واستحكمت في نفوسهم بسبب التعصب له. وكلما طال الزمن زادت ترسباً وتجذراً واستحكام، حتى صارت ديناً يتدين به، ومفاهيم مقدسة ينافح عنها بلا حدود.
قال الذهبي: "فأما الصحابة (رضي الله عنهم) فبساطهم مطوي، وإن جرى ما جرى، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات، فما يكاد يسلم أحد من الغلط. لكنه غلط نادر لا يضر أبد، إذ على عدالتهم، وقبول ما نقلوه، العمل، وبه ندين الله تعالى" [١].
[١] الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم: ٢٤.