الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٣٧٢ - ذكر ما كان يتعبد به النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قبل النبوة
و إذا حلّت الهداية قلبا * * * نشطت فى العبادة الأعضاء
[١] أى ألف العبادة و الخلوة فى حال كونه طفلا، و مثل هذا الشأن العلى شأن الكرام، و إنما كان هذا شأن الكرام؛ لأنه إذا حلت الهداية قلبا نشطت الأعضاء فى العبادة؛ لأن القلب رئيس البدن المعوّل عليه فى صلاحه و فساده.
و لعل الخلوة فى كلام الناظم المراد بها: مطلق اعتزاله عن الناس، و أراد بقوله: «طفلا» من رضاعه صلى اللّه عليه و سلم عند حليمة، فقد تقدّم عنها- رضى اللّه عنها أنها قالت: لما ترعرع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان يخرج إلى الصبيان و هم يلعبون فيتجنبهم، لا خصوص اعتزاله الناس فى غار حراء، فلا ينافى قوله: «طفلا» ظاهر ما تقدم من أن خلوته صلى اللّه عليه و سلم بغار حراء كانت فى زمن تزوجه بخديجة- رضى اللّه عنها-.
و لم يكن جواره بحراء لطلب النبوة لأنها أجل من أن تنال بالطلب و الاكتساب، و إنما هى موهبة من اللّه، و خصوصية يخص بها من يشاء من عباده، و اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. قال البوصيرى:
تبارك اللّه ما وحى بمكتسب * * * و لا نبىّ على غيب بمتّهم
[٢] و قال اللقانى:
و لم تكن نبوّة مكتسبه * * * و لو رقى فى الخير أعلى عقبه
و قد علمت مما تقدم أنه كان يتعبد بحراء فى شهر رمضان؛ كما رواه ابن إسحاق فلم يزل صلى اللّه عليه و سلم مستمرا على ذلك (إلى أن أتاه) يقظة (فيه) أى الغار المذكور؛ غاية لقوله يتعبد (صريح الحقّ) أى الحق الصريح الواضح البين الخالص و هو الوحى بواسطة جبريل (و وافاه) أى أتاه بالقرآن العظيم عيانا (و ذلك) أى إتيان الحق (فى يوم الإثنين) و يشهد له: ما رواه مسلم عن أبى قتادة: أنه صلى اللّه عليه و سلم سئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: «فيه ولدت، و فيه أنزل
[١] المجموعة النبهانية (١/ ٨٠).
[٢] المجموعة النبهانية (٤/ ٩).