الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر(ص) - البرزنجي، جعفر بن حسن - الصفحة ٣٧١ - ذكر ما كان يتعبد به النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قبل النبوة
غير قياس، و الليل واحد بمعنى جمع واحدته ليلة كتمر و تمرة، و هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، و قيل: إلى طلوع الشمس (العدديّة) المعدودة مع أيامها، و إنما غلّب الليالى لأنها أنسب، و إبهام العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد، فتارة كان ثلاث ليال، و تارة سبع ليال، و تارة شهر رمضان.
و فى كلام بعضهم ما قد يدل على أنه لم يختل أقل من الشهر، و حينئذ يكون قوله: الليالى العددية: أى ذوات العدد محمولا على القدر الذي كان صلى اللّه عليه و سلم يتزود له، فإذا فرغ زاده رجع إلى مكة و تزود إلى غيرها إلى أن يتم الشهر.
قال غيره: و لم يصح أنه صلى اللّه عليه و سلم اختلى أكثر من شهر.
و كان تزوده صلى اللّه عليه و سلم من الكعك و الزيت، و فيه: أن الزيت و الكعك يبقى المدة الطويلة فيمكث جميع الشهر الذي يختلى فيه، فلعله كان يفرغ قبل فراغ المدة بإطعامه المساكين الواردين عليه، و إنما اختار صلى اللّه عليه و سلم الزيت للأدم لأن دسومته لا ينفر منها الطبع، و من ثم جاء: «ائتدموا بالزيت و ادّهنوا به؛ فإنه يخرج من شجرة مباركة» [١].
و عن عبيد بن عمير- رضى اللّه عنه-: كان صلى اللّه عليه و سلم يجاور فى حراء كل سنة شهرا، و كان ذلك مما يتحنّث فيه قريش فى الجاهلية- أى المتألهون منهم- و كان أول من تحنّث فيه من قريش: جده عبد المطّلب. كما تقدم، فقد قال ابن الأثير: أول من تحنّث بحراء: عبد المطّلب، كان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء، و أطعم المساكين. ثم تبعه على ذلك من كان يتأله- أى يتعبد- كورقة بن نوفل، و أبى أمية بن المغيرة.
و قد أشار إلى تعبده صلى اللّه عليه و سلم صاحب الهمزية بقوله:
ألف النّسك و العبادة و الخ * * * لوة طفلا و هكذا النجباء
[١] أخرجه الترمذى (١٨٥١)، ابن ماجه (٣٣١٩)، الحاكم فى المستدرك (٤/ ١٢٢)، و عبد الرزاق فى المصنف (١٩٥٦٨)، و عبد بن حميد (١٣).