التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ١٦٠ - تواتر القراءات
فلمّا مضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى لقاء حبيبه و تفرّقت الأهواء بعده جمع أمير المؤمنين القرآن كما انزل و شدّه بردائه و أتى به إلى المسجد، فقال لهم: هذا كتاب ربّكم كما انزل، فقال الثاني: ليس لنا فيه حاجة هذا، عندنا مصحف فلان، فقال (عليه السلام): لن تروه و لن يراه أحد حتى يظهر القائم. ثمّ أمر أن يحضر عند فلان كلّ ما كان عند الكتّاب و غيرهم من تلك الأجزاء المتفرّقة، فلمّا اجتمعت عند الفلان انتخب منها ما شاء ثمّ طبخ الباقي خوفا من بروزها، و عنادا لما كان فيه من الامور و الأحكام المخالفة لهواه و هوى أقرانه، ثمّ استنسخ ممّا انتخبه سبع نسخ خالية عن النقط و الإعراب، مع ما فيها من الاختلاف في الكلمات و الحروف، فحبس منها بالمدينة مصحفا و أرسل إلى كلّ واحد من مكّة و الشام و الكوفة و البصرة و اليمن و البحرين مصحفا مصحفا [١]، فلما دفعت إليهم المصاحف على ذلك الحال تصرّفوا في إعرابها و نقطها و إدغامها و إمالتها، و نحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذاهبهم في اللغة و العربيّة.
فهذا هو وجه الاختلاف الواقع بين القرّاء في القراءة على ما صحّت الأخبار به من جماعة من الخاصّة، بل و من بعض أعاظم علماء العامّة، كما يقف عليه المتتبع في الكتب المفصّلة في هذه المسألة [٢].
و أمّا ما استظهره غير واحد من أساتيدنا الأعلام من الإجماع على تواتر القرآن كمّا و كيفا فإنّما هو إجماع على جواز العمل و الاستدلال به، و قراءته على حسب ما يقرأه الناس، لا على تواتره بالمعنى المتقدّم، كما يشهد عليه جملة من الأخبار.
قوله: «و مع التكافؤ لا بدّ من الحكم بالتوقّف و الرجوع إلى غيرهما».
[١] منبع الحياة المطبوع ضمن الشهاب الثاقب: ٦٧- ٦٨.
[٢] لاحظ القوانين ١: ٤٠٣- ٤٠٥.