التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ١٢٢ - مباحث الظن
الأوّلي المرتفع بواسطة التعبّد بالظنّ.
أمّا على الأول فوجه عدم المناص عن إرجاع التكليف إلى ما لا يفيد العلم بعد عدم التمكن من طريقي العلم هو قاعدة «أنّ الميسور لا يسقط بالمعسور»، و أنّ «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» «و لزوم ارتكاب أقلّ القبيحين عند الدوران» إذ بعد فرض تعذّر الموافقة القطعية تكون الموافقة الاحتمالية الحاصلة من العلم بالظنّ أقلّ قبحا من المخالفة القطعية الحاصلة من ترك العمل رأسا.
و أمّا على الثاني فوجهه وجود المقتضي، و عدم المانع منه أصلا.
قوله: «لا مجال للنقض عليه بمثل الفتوى ... إلخ».
أقول: بل لا مجال لإنكار النقض عليه به.
أمّا أولا: فلأنّ جواز كلّ من الإفتاء و الاستفتاء إنّما يثبت بخصوص الآيات و الأخبار و الإجماع، و لا ينحصر دليل جوازه في الانسداد حتى لا يجوز النقض به على القائل بالانفتاح، كما لا يخفى على الخبير في الأدلّة.
و ثانيا: لو كان جواز الإفتاء و الاستفتاء منحصرا في الانسداد لما جاز لأحد من الصحابة و من يقرب عهدهم الإفتاء و الاستفتاء، بل و لما جاز الإفتاء و الاستفتاء إلّا عند الضرورة الملزمة له، بل و لما جاز إلّا عند تعذّر الاحتياط، بل و لما جاز إلّا عند لزوم الضرر أو العسر و الحرج المنفي، بل و لما جاز إلّا بمقدار ما يرفع الضرورة الملزمة، بل و لما جاز إلّا لبعض الناس المتعسّر أو المتعذّر عليهم الاحتياط، دون المتمكّنين منه بلا عسر و لا حرج، ككثير من الناس، و الحال أنّ الإجماع و السيرة المستمرّة من لدن زمان المعصومين إلى يومنا هذا جار على جواز الإفتاء و الاستفتاء مطلقا من غير تقييدهما بشيء من هذه القيود المذكورة، من زمان الانسداد، و الضرورة الملجئة، و مقدار الضرورة، و عدم إمكان الاحتياط، و غير ذلك.