الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٣ - بعض الأشعار التي غنى فيها و ذكر بعض أخبار استدعاها بيانها
من هذيل يقال لهم بنو سهم بن معاوية. و كانت امرأة من هذيل تحت رجل من بني بهز، فقالت لابن لها معه [١]: أي بني انطلق إلى أخوالك فأنذرهم بأنّ ابن عاصية السّلمي قد أمسى يريدهم، و ذلك حين عزم ابن عاصية على غزوهم و أراد المسير إليهم. فانطلق الغلام من تحت ليلته حتى أتى أخواله فأنذرهم، فقال: ابن عاصية السّلميّ يريدكم، فخذوا حذركم؛ فبدر القوم و استعدّوا. و أصبح عمرو بن عاصية قريبا من الحيّ، فنزل فربأ لأصحابه على جبل [مشرف على القوم] [٢]، فإذا هم حذرون. فقال لأصحابه: أرى القوم حذرين، إنّ لهم لشأنا، و لقد أنذروا علينا.
فكمن في الجبل يطلب غفلتهم، فأصابه و أصحابه عطش شديد، فقال/ ابن عاصية لأصحابه: هل فيكم من يرتوي لأصحابه؟ فقال أصحابه: نخاف القوم، و أبى أحد منهم أن يجيبه إلى ذلك. قال: فخرج على فرس له و معه قربته.
و قد وضعت هذيل على الماء رجلا منهم رصدا، و علموا أنّهم لا بدّ لهم من أن يردوا الماء. فمرّ بهم عمرو بن عاصية و قد كمن له شيخ و فتيان من هذيل، فلما نظروا إليه همّ الفتيان أن يثاوراه [٣]. فقال الشيخ: مهلا! فإنه لم يركما، فكفّا. فانتهى ابن عاصية إلى البئر، فنظر يمينا و شمالا فلم ير أحدا و الآخرون يرمقونه من حيث لا يراهم.
فوثب نحو قربته فأخذها ثم دخل البئر فطفق يملأ القربة و يشرب. و أقبل الفتيان و الشيخ معهما حتى أشرفوا عليه و هو في البئر، [فرفع رأسه فأبصر القوم]؛ فقالوا: [قد] [٤] أخزاك اللّه يا ابن عاصية و أمكن منك! قال: و رمى [٥] الشيخ بسهم فأصاب أخمصه فأنفذه فصرعه، و شغل الفتيان بنزع السهم من قدم الشيخ، و وثب ابن عاصية من البئر شدّا نحو أصحابه، و أدركه الفتيان قبل وصوله فأسراه. فقال لهما حين أخذاه: أروياني من الماء ثم اصنعا ما بدا لكما. فلم يسقياه و تعاوراه بأسيافهما حتى قتلاه. فقالت أخت عمرو بن عاصية ترثي أخاها:
يا لهف نفسي يوما ضلّة جزعا
على ابن عاصية المقتول بالوادي
/ إذ جاء ينفض عن أصحابه طفلا
مشي السّبنتي أمام الأيكة العادي [٦]
هلّا سقيتم بني سهم أسيركم
نفسي فداؤك من مستورد صادي [٧]
/ قال أبو عبيدة: و آب غزيّ [٨] بني سليم بعد مقتل ابن عاصية. قال: فبلغ أخاه عرعرة بن عاصية قتل هذيل أخاه و كيف صنع به، فجمع لهم جمعا من قومه فيهم فوارس من بني سليم منهم عبيدة بن حكيم الشّريديّ و عمر بن الحارث الشّريديّ و أبو مالك البهزيّ و قيس بن عمرو أحد بني مطرود من بني سليم و فوارس من بني رعل. قال:
فسرى إليهم عرعرة، فالتقوا بموضع يقال له الجرف فاقتتلوا قتالا [٩] شديدا، فظفرت بهم بنو سليم فأوجعوا فيهم
[١] كذا في الأصول. و لعله «منه»، و هي ساقطة في ف.
[٢] زيادة عن ف.
[٣] ثاوره مثاورة و ثوارا: واثبه، مثل ساوره.
[٤] زيادة في ف.
[٥] في ط: «و يرمي الشيخ فيصيب اخمصه فأنفذه».
[٦] ينفض هنا: يكشف الطريق و يتجسس. و الاسم النفيضة مثل الطليعة. و قد ضمن «ينفض» معنى يذب الأذى و يدفعه، فعدّاه ب «عن».
و الطفل طفلان، أحدهما طفل الغداة و هو من لدن ذرور الشمس إلى استكمال ضوئها في الأرض. و الأخر طفل العشي، و هو آخره عند غروب الشمس و اصفرارها. و السبنتي: النمر أو الأسد.
[٧] في ف: «من ذي غلة».
[٨] الغزي: اسم جمع لغاز.
[٩] كذا في ط، ف. و في سائر الأصول: «قتلا».