الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٧ - تحاكم إليه ابنا عم و أحدهما صديق له فحكم على صديقه فقال في ذلك شعرا
/
أمنت امرأ في السرّ لم يك حازما
و لكنه في النصح غير مريب
أذاع به في الناس حتى كأنه
بعلياء نار أوقدت بثقوب [١]
و كنت متى لم ترع سرّك تلتبس
قوارعه من مخطئ و مصيب [٢]
فما كل ذي نصح بمؤتيك نصحه
و ما كل مؤت نصحه بلبيب
و لكن إذا ما استجمعا عند واحد
فحقّ له من طاعة بنصيب
اشترى جارية حولاء فعابها أهله فمدحها في شعره
أخبرني عمي قال حدّثني الكراني قال حدّثنا العمري عن الهيثم بن عديّ عن ابن عياش قال:
اشترى أبو الأسود جارية، فأعجبته- و كانت حولاء- فعابها أهله عنده بالحول، فقال في ذلك:
يعيبونها عندي و لا عيب عندها
سوى أن في العينين بعض التأخّر
فإن يك في العينين سوء فإنها
مهفهفة الأعلى رداح المؤخّر [٣]
تحاكم إليه ابنا عم و أحدهما صديق له فحكم على صديقه فقال في ذلك شعرا
أخبرني محمد بن الحسن بن يزيد دريد الأزدي قال حدّثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال:
كان لأبي الأسود الدؤليّ صديق من بني تميم ثم من بني سعد يقال له مالك بن أصرم، و كانت بينه و بين ابن عمّ له خصومة في دار له، و أنهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكّماه بينهما، فقال له خصم صديقه: إني بالذي بينك و بينه عارف، فلا يحملنك ها ذاك على أن تحيف عليّ في الحكم- و كان صديق أبي الأسود ظالما- فقضى أبو الأسود على صديقه لخصمه بالحقّ، فقال له صديقه: و اللّه ما بارك اللّه لي في صداقتك، و لا نفعني بعلمك و فقهك، و لقد قضيت عليّ بغير الحقّ، فقال أبو الأسود:
إذ كنت مظلوما فلا تلف راضيا
عن القوم حتى تأخذ النّصف و اغضب [٤]
و إن كنت أنت الظالم القوم فاطّرح
مقالتهم و اشغب بهم كلّ مشغب
و قارب بذي جهل و باعد بعالم
جلوب عليك الحقّ من كل مجلب
فإن حدبوا فاقعس و إن هم تقاعسوا [٥]
ليستمكنوا مما وراءك فاحدب
/ و لا تدعني للجور و اصبر على التي
بها كنت أقضي للبعيد على أبي
فإني امرؤ أخشى إلهي و أتّقي
معادي و قد جرّبت ما لم تجرّب
[١] الثقوب: ما أثقبت به النار أي أوقدتها به.
[٢] القارعة: النازلة الشديدة.
[٣] مهفهفة: ضامرة البطن: رداح: ضخمة العجيزة ثقيلة الأوراك.
[٤] النصف: الانتصاف.
[٥] حدب: خرج ظهره و دخل بطنه. و قعس: نقيضه.