الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٥ - عود إلى قصة يوم البشر
أن يأذن لك؛ فقال: لا و اللّه لا ألزمها غيرك أنجحت أو أكدت [١]، فلما بلغ ذلك الحجاج قال: ما له عندي شيء، فأبلغه ذلك؛ قال: و ما عليك أن تكون أنت الذي تؤيسه فإنه قد أبى، فأذن/ له فلمّا رآه قال: أ عهدتني خائنا لا أبا لك! قال: أنت سيد هوازن، و قد بدأنا بك، و أنت أمير العراقين [٢]، و ابن عظيم القريتين [٣]، و عمالتك في كل سنة خمسمائة ألف درهم، و ما بك بعدها حاجة إلى خيانة [٤]؛ فقال: أشهد أن اللّه تعالى وفّقك، و أنّك نظرت بنور اللّه، فإذا صدقت فلك نصفها العام، فأعطاه و ادّوا البقية.
تنسك و خرج إلى الحج في زي عجيب
قال: ثم تأله [٥] الجحاف/ بعد ذلك، و استأذن في الحج، فأذن له، فخرج في المشيخة الذين شهدوا معه، قد لبسوا الصوف و أحرموا، و أبروا أنوفهم أي خزموها و جعلوا فيها البرى [٦]، و مشوا إلى مكة فلما قدموا المدينة و مكة جعل الناس يخرجون فينظرون إليهم، و يعجبون منهم. قال: و سمع ابن عمر الجحاف و قد تعلق بأستار الكعبة و هو يقول: اللّهم اغفر لي و ما أراك تفعل! فقال له ابن عمر: يا هذا، لو كنت الجحاف ما زدت على هذا القول؛ قال:
فأنا الجحاف، فسكت. و سمعه محمد بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و هو يقول ذلك؛ فقال: يا عبد اللّه، قنوطك من عفو اللّه أعظم من ذنبك! قال عمر بن شبّة في خبره: كان مولد الجحّاف بالبصرة.
دخل على عبد الملك بعد أن أمنه فأنشده شعرا
قال عبد اللّه بن إسحاق النحويّ: كان الجحاف معي في الكتّاب، قال أبو زيد في خبره أيضا: و لما أمّنه عبد الملك دخل عليه في جبّة صوف، فلبث قائما، فقال له عبد الملك: أنشدني بعض ما قلت في غزوتك هذه و فجرتك، فأنشده قوله:
صبرت سليم للطعان و عامر
و إذا جزعنا لم نجد من يصبر
فقال له عبد الملك بن مروان: كذبت، ما أكثر من يصبر! ثم أنشده:
نحن الذين إذا علوا لم يفخروا
يوم اللقا و إذا علوا لم يضجروا
فقال عبد الملك: صدقت، حدّثني أبي عن أبي سفيان بن حرب أنكم كنتم كما وصفت يوم فتح مكة.
عود إلى قصة يوم البشر
حدّثت عن الدمشقيّ عن الزبير بن بكار، و أخبرني، وكيع عن عبد اللّه بن شبيب عن الزبير بن بكار عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز بن مروان:
[١] أكدى: أصله من أكدى الحافر: إذا حفر فبلغ الكدية و هي الصخرة فانقطع عن الحفر.
[٢] العرافان: الكوفة و البصرة.
[٣] القريتان: مكة و الطائف.
[٤] كذا في ف، و في معظم الأصول «و ما بك بعدها إلى خيانة فقر».
[٥] تأله: تعبد و تنسك.
[٦] البرى: جمع بردّ، و هي الحلقة في أنف البعير.