الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٥ - كثير يرثي خندقا حين قتل بعرفة
قد لقينها و هي سائرة في نسائهم في الجلاء [١]، في عام أصابت أهل تهامة فيه حطمة شديدة، و كانت عزّة من أجمل النساء و أدبهن و أعقلهن [٢]، و لا و اللّه ما رأى لها وجها قطّ، إلا أنه استهيم بها قلبه لما ذكر له عنها. فلقيه رجال من الحي لما بلغهم ذلك عنه، فقالوا له: إنك قد شهرت نفسك [٣] و شهرتنا و شهرت صاحبتنا فاكفف نفسك. قال: فإني لا أذكرها بما تكرهون. فخرجوا جالين إلى مصر في أعوام الجلاء. فتبعهم على راحلته فزجروه، فأبى إلا أن يلحقهم بنفسه، فجلس له فتية من جديّ، قال: و كان بنو ضمرة كلّهم يهون عليهم نسيبه لما يعرفون من براءتها، إلا ما كان من بني جديّ [٤] فإنهم كانوا صمعا غيرا [٥]. فقعد له عون، أحد بني جديّ في تسعة نفر على محالج [٦]، فلما جاز بهم تحت الليل أخذوه، ثم عدلوا به عن الطريق إلى جيفة حمار/ كانوا يعرفونها من النهار، فأدخلوه فيها و ربطوا يديه و رجليه، ثم أوثقوا بطن الحمار، فجعل يضطرب فيه و يستغيث، و مضوا عنه، فاجتاز به خندق الأسديّ، فسمع استغاثته- و هو خندق بن بدر- فعدل إلى الصوت حين سمعه، فوجد في الجيفة إنسانا، فسأله من هو و ما خبره؟ فأخبره. فأطلقه و حمله و ألحقه ببلاده. فقال كثيّر في ذلك- قال الزّبير أنشدنيها عمر بن أبي بكر المؤمّليّ عن عبد اللّه بن أبي عبيدة معمر بن المثنّى-
أ صادرة حجّاج كعب و مالك
على كلّ فتلاء الذراعين محنق
و ذكر القصيدة كلّها على ما مضت.
أخبرني الحرميّ [٧] بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير قال حدّثنا عمر بن أبي بكر المؤمّلي عن أبي عبيدة قال:
خندق الأسديّ هو الذي أدخل كثيّرا في مذهب الخشبيّة [٨].
كثير يرثي خندقا حين قتل بعرفة
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن حبيب قال:
لما قتل خندق الأسديّ بعرفة رثاه كثيّر فقال:
شجا أظعان غاضرة الغوادي
بغير مشورة عرضا فؤادي
أ غاضر لو شهدت غداة بنتم
حنوّ العائدات على وسادي [٩]
أويت لعاشق لم تشكميه
نوافذه [١٠] تلذّع بالزّناد
[١] في بعض الأصول: «الحلاس»، و صوابه في ف.
[٢] في ح، ط: «من أجمل نساء و آدبه و أعقله». و في ف: «من أجمل نساء الناس».
[٣] في ح: «شهرت نفسك فاكفف».
[٤] ما بعده إلى «عون» ساقط من ف.
[٥] صمع: ذوو حزم. غير: جمع غيور.
[٦] في ف: «مخالج» و في ط: «محالح». و المحالج: جمع محلج كمنبر، و هو الخفيف من الحمر.
[٧] في ط، ف: «الحرمي قال».
[٨] الخشبية: قوم من الجهمية يقولون إن اللّه تعالى لا يتكلم، و إن القرآن مخلوق. و قال ابن الأثير: هم أصحاب المختار بن أبي عبيد.
و يقال: هم ضرب من الشيعة، سموا بذلك لأنهم حفظوا خشبة زيد بن علي حين صلب. انظر «شرح القاموس» (مادة خشب)».
[٩] في ح: «جنوء العائدات».
[١٠] أويت: رثيت و أشفقت. لم تشكميه: لم تجازيه. النوافذ: الفم و ثقبا الأذنين و الأنف. و في «الديوان»: «جوانحه».