الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٨ - خرج هو و الأحوص إلى مكة فمرا بنصيب و كثير و تحاوروا
ينفرد الزّبير بروايته دون الباقين. قال سائب: فلمّا أمسك كثيّر أقبل عليه عمر فقال له: قد أنصتنا لك فاسمع يا مذبوب [١] [إليّ] [٢]! أخبرني عن تخيّرك لنفسك لمن تحبّ حيث تقول:
ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذي غنى
بعيرين نرعى في الخلاء و نعزب
كلانا به عرّ فمن يرنا يقل
على حسنها جرباء تعدي و أجرب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله
علينا فما ننفكّ نرمى و نضرب
وددت و بيت اللّه أنّك بكرة
هجان و أنّي مصعب [٣] ثم نهرب
نكون بعيري ذي غنى فيضيعنا
فلا هو يرعانا و لا نحن نطلب
و قال: تمنّيت لها و لنفسك الرّقّ و الجرب و الرّمي و الطّرد و المسخ، فأيّ مكروه لم تمنّ لها و لنفسك! لقد أصابها منك قول القائل: «معاداة عاقل خير من مودّة أحمق». قال؛ فجعل يختلج [٤] جسده كله. ثم أقبل عليه الأحوص فقال: إليّ يا ابن استها [٥] أخبرك بخبرك و تعرّضك للشرّ و عجزك عنه و إهدافك [٦] لمن رماك. أخبرني عن قولك:
/
و قلن- و قد يكذبن- فيك تعيّف
و شؤم إذا ما لم تطع صاح ناعقه
و أعييتنا لا راضيا بكرامة
و لا تاركا شكوى الذي أنت صادقه
فأدركت صفو الودّ منّا فلمتنا
و ليس لنا ذنب فنحن مواذقه [٧]
و ألفيتنا سلما فصدّعت بيننا [٨]
كما صدّعت بين الأديم خوالقه [٩]
و اللّه لو احتفل عليك هاجيك ما زاد على ما بؤت به على نفسك. قال: فخفق كما يخفق الطائر. ثم أقبل عليه النّصيب فقال: أقبل عليّ يا زبّ الذّباب! فقد تمنّيت معرفة غائب عندي علمه فيك حيث تقول:
وددت- و ما تغني الودادة- أنّني
بما في ضمير [١٠] الحاجبيّة عالم
فإن كان خيرا سرّني و علمته
و إن كان شرّا لم تلمني اللّوائم
انظر في مرآتك و اطّلع في جيبك و اعرف صورة وجهك، تعرف ما عندها [لك] [١١]. فاضطرب اضطراب العصفور، و قام القوم يضحكون. و جلست عنده؛ فلمّا هدأ شأوه [١٢] قال لي: أرضيتك فيهم؟ فقلت له: أمّا في
[١] المذبوب: المجنون.
[٢] زيادة في ف.
[٣] بكرة هجان: بيضاء. و المصعب: الفحل.
[٤] يختلج: يضطرب.
[٥] يقال لابن الأمة عند تحقيره: «يا بن استها» يعنون أنها ولدته من استها.
[٦] أهدف لكذا: تعرض له.
[٧] مواذق: جمع ماذقة. يقال: مذق الود إذا لم يخلصه.
[٨] البين هنا: الوصل.
[٩] خوالق الأديم: اللائي يقدرنه قبل أن يقطعنه.
[١٠] في ف: «فؤاد الحاجبية».
[١١] زيادة في ف.
[١٢] كذا في الأصول. و الشأو: الشوط و الطلق. و لعله يريد ما عراه من الاضطراب في الشأو الذي جرى بينه و بينهم.