الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩٦ - آذاه جار له فباع داره و اشترى دارا في هذيل و قال في ذلك شعرا
أحبب إذا أحببت حبا مقاربا
فإنك لا تدري متى أنت نازع
و أبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا
فإنك لا تدري متى أنت راجع
و كن معدنا للحلم و اصفح عن الخنا
فإنك راء ما عملت و سامع
آذاه جار له فباع داره و اشترى دارا في هذيل و قال في ذلك شعرا
و قال المدائني حدّثني أبو بكر الهذليّ قال:
كان لأبي الأسود جار من بني حليس بن يعمر بن نفاثة بن عديّ بن الديل، من رهطه دنية- و منزل أبي الأسود يومئذ في بني الديل- فأولع جاره برميه بالحجارة كلما أمسى، فيؤذيه. فشكا أبو الأسود ذلك إلى قومه و غيرهم، فكلموه و لاموه، فكان ما اعتذر به إليهم أن قال: لست أرميه، و إنما يرميه اللّه لقطعه للرحم و سرعته إلى الظلم في بخله بماله، فقال أبو الأسود: و اللّه ما أجاور رجلا يقطع رحمي و يكذب على ربي. فباع داره و اشترى دارا في هذيل، فقيل له: يا أبا الأسود، أبعت دارك! قال: لم أبع داري، و لكن بعت جاري، فأرسلها مثلا و قال في ذلك:
رماني جاري ظالما برميّة
فقلت له مهلا فأنكر ما أتى
/ و قال الذي يرميك ربّك جازيا
بذنبك، و الحوبات تعقب ما ترى [١]
/ فقلت له لو أن ربي برمية
رماني لما أخطأ إلهي ما رمى
جزى اللّه شرّا كلّ من نال سوأة
و ينحل فيها ربّه الشرّ و الأذى [٢]
و قال فيه أيضا:
لحى اللّه مولى السّوء لا أنت راغب
إليه و لا رام به من تحاربه
و ما قرب مولى السوء إلا كبعده
بل البعد خير من عدوّ تصاقبه [٣]
و قال فيه أيضا:
و إني لتثنيني عن الشتم و الخنا
و عن سبّ ذي القربى خلائق أربع
حياء و إسلام و لطف و أنني
كريم، و مثلي قد يضرّ و ينفع
فإن أعف يوما عن ذنوب أتيتها
فإن العصا كانت لمثلي تقرع [٤]
و شتان ما بيني و بينك إنني
على كل حال أستقيم و تظلع [٥]
[١] الحوبة: الإثم.
[٢] نحله: نسبه إليه.
[٣] صاقبه: قاربه.
[٤] يشير إلى المثل: «إن العصا قرعت لذي الحلم»، و معناه أن الحكيم إذا نبه انتبه، و أوّل من قرعت له العصا عامر بن الظرب لما طعن في السن أنكر من عقله شيئا، فقال لبنيه: إذا رأيتموني خرجت من كلامي و أخذت في غيره فاقرعوا إلى المجن بالعصا.
[٥] ظلّع: غمز في مشيه.