الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٨ - خروجه إلى البصرة و زواجه من ليلى و طلاقها و قصة ذلك
و رممت [١] من مالي! فقالت: كم تقيم؟ قال [٢] سنة، فأذنت له. فأتى أهله فأقام فيهم و أزمن عنها (أي طال مقامه). فلمّا أبطأ عليها رحلت إلى المدينة فسألت عنه، فقيل لها: إنّه بعمق (و هو ماء لمزينة). فخرجت، حتّى إذا كانت قريبة [٣] من عمق نزلت منزلا كريما [٤]. و أقبل معن في طلب ذود له قد أضلّها و عليه مدرعة من صوف و بتّ من صوف أخضر- قال: و البتّ: الطّيلسان [٥]- و عمامة غليظة. فلمّا رفع [٦] له القوم مال إليهم ليستسقي، و مع ليلى ابن أخ لها و مولى من مواليها جالس أمام خباء له. فقال له معن: هل من ماء؟ قال: نعم، و إن شئت سويقا، و إن شئت لبنا؛ فأناخ. و صاح مولى ليلى: يا منهلة- و كانت منهلة الوصيفة التي تقوم على معن عندهم بالبصرة- فلمّا أتته بالقدح و عرفها و حسر عن وجهه ليشرب عرفته و أثبتته [٧]، فتركت القدح في يده و أقبلت مسرعة إلى مولاتها فقالت: يا مولاتي، هذا و اللّه معن إلا أنّه في جبّة صوف و بتّ صوف. فقالت: هو و اللّه عيشهم، الحقي مولاي فقولي له: هذا معن، فاحبسه. فخرجت الوصيفة مسرعة فأخبرت. فوضع معن القدح و قال له: دعني حتّى ألقاها في غير هذا الزّيّ. فقال: لست بارحا حتّى تدخل عليها. فلما رأته قالت: أ هذا العيش الذي نزعت إليه يا معن؟! قال: إي و اللّه يا ابنة عمّ! أما إنّك لو أقمت إلى أيّام/ الرّبيع حتّى ينبت البلد الخزامى و الرّخامى [٨] و السّخبر و الكمأة، لأصبت عيشا طيّبا. فغسلت رأسه و جسده، و ألبسته ثيابا ليّنة، و طيبته، و أقام معها ليلته أجمع يهرجها [٩]، ثم غدا متقدّما إلى عمق حتّى أعدّ لها طعاما/ و نحر ناقة و غنما [١٠]. و قدمت على الحيّ، فلم تبق [فيهم] [١١] امرأة إلا أتتها و سلّمت عليها، فلم تدع منهنّ امرأة حتّى وصلتها. و كانت لمعن امرأة بعمق يقال لها أم حقّه. فقالت لمعن:
هذه و اللّه خير لك منّي، فطلّقني، و كانت قد حملت فدخله [١٢] من ذلك و قام. ثم إنّ ليلى رحلت إلى مكة حاجّة
[١] رممت من مالي: أصلحت.
[٢] في ح ب، س: «قلت» تحريف.
[٣] في ط، م، ف: «قريبا».
[٤] «كريما» ليست في ط، م، ف.
[٥] كذا في ط، م، ج. و هي جملة جيء بها لتفسير البيت. و في بعض النسخ: «و قد لبس الطيلسان». و في بعضها: «و قد لبث الطيلسان» تحريف.
[٦] رفع له الشيء (مبنيا للمجهول): أبصره عن بعد.
[٧] يقال: أثبت فلان فلانا، إذا عرفه حق المعرفة.
[٨] قال أبو حنيفة: الخزامى: عشبة طويلة العيدان صغيرة الورق حمراء الزهرة طيبة الريح، لها نور كنور البنفسج. قال: و لم نجد من الزهر زهرة أطيب من نفحة الخزامى، و هي خيريّ البر. و الخيري: المنثور (ضرب من الزهر) الأصفر. و الرخامى: نبتة. قال أبو حنيفة: هي غبراء الحضرة لها زهرة بيضاء نقية و لها عرق أبيض تحفره الحمر بحوافرها، و الوحش كله يأكل ذلك العرق لحلاوته و طيبه، و منابتها الرمل.
و السخبر، قال أبو حنيفة: إنه يشبه الثّمام له جرثومة و عيدانه كالكراث في الكثرة، كأن ثمره مكاسح القصب أو أرق منها، و إذا طال تدلت رءوسه و انحنت.
و الكمأة: نبات يقال له شحم الأرض، و العرب تسميه جدري الأرض. قيل هو أصل مستدير كالفلقاس لا ساق له و لا عرق، لونه إلى الغبرة، يوجد في الربيع تحت الأرض.
[٩] كذا في ط، م، ف. و يهرجها: يجامعها. و في سائر الأصول: «يحدّثها».
[١٠] و غنما، ليست في ف.
[١١] زيادة عن ط، م، ف.
[١٢] أي دخله شيء من ذلك.