الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٦ - زواج يزيد بن عبد الملك ابنته الجرباء
خبره مع يحيى بن الحكم أمير المدينة و زواج ابنته
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ قال حدّثني عمي عن عبد اللّه بن مصعب قاضي المدينة قال:
دخل عقيل بن علّفة على يحيى بن الحكم، و هو يومئذ أمير المدينة. فقال له يحيى: أنكح ابن خالي- يعني ابن أوفى- فلانة ابنتك؟ فقال: إن ابن خالك ليرضى مني بدون ذلك، قال: و ما هو؟ قال: أن أكفّ عنه سنن [١] الخيل إذا غشيت سوامه [٢]. فقال يحيى لحرسيّين بين يديه: أخرجاه. فأخرجاه، فلما ولّى قال: أعيداه إليّ، فأعاداه، فقال عقيل له: مالك تكرّني إكرار الناضح [٣]؟ قال: أما و اللّه إني لأكرك أعرج جافيا. فقال عقيل: كذلك قلت:
/
تعجّبت إذ رأت رأسي تجلّله
من الروائع شيب ليس من كبر
/ و من أديم تولّى بعد جدّته
و الجفن يخلق فيه الصّارم الذكر [٤]
فقال له يحيى، أنشدني قصيدتك، هذه كلها. قال: ما انتهيت إلّا إلى ما سمعت. فقال: أما و اللّه إنك لتقول فتقصّر، فقال: إنّما يكفي من القلادة ما أحاط بالرقبة. قال: فأنكحني أنا إحدى بناتك. قال: أمّا أنت فنعم. قال:
أما و اللّه لأملأنّك مالا و شرفا. قال: أما الشّرف فقد حمّلت ركائبي منه ما أطاقت، و كلفتها تجشّم ما لم تطق، و لكن عليك بهذا المال فإن فيه صلاح الأيّم و رضا الأبيّ. فزوّجه ثم خرج فهداها إليه، فلما قدمت عليه بعث إليها يحيى مولاة له انتظر إليها، فجاءتها فجعلت تغمز عضدها. فرفعت يدها، فدقّت أنفها. فرجعت إلى يحيى و قالت: بعثتني إلى أعرابية مجنونة صنعت بي ما ترى! فنهض إليها يحيى، فقال لها: مالك؟ قالت: ما أردت أن بعثت إليّ أمة تنظر إليّ! ما أردت بما فعلت إلا أن يكون نظرك إلي قبل كلّ ناظر، فإن رأيت حسنا كنت قد سبقت إلى بهجته، و إن رأيت قبيحا كنت أحق من ستره. فسرّ بقولها و حظيت عنده.
و ذكر المدائني هذا الخبر مثله، إلا أنه قال فيه: فإن كان ما تراه حسنا كنت أول من رآه، و إن كان قبيحا كنت أوّل من واراه.
زواج يزيد بن عبد الملك ابنته الجرباء
أخبرني ابن دريد قال حدّثنا عبد الرحمن عن عمه قال:
خطب يزيد بن عبد الملك إلى عقيل بن علّفة ابنته الجرباء، فقال له عقيل: قد زوّجتكها، على أن لا يزفّها إليك أعلاجك [٥]؛ أكون أنا الذي أجيء بها إليك.
/ قال: ذلك لك. فتزوّجها، و مكثوا ما شاء اللّه. ثم دخل الحاجب على يزيد فقال له: بالباب أعرابيّ على بعير، معه امرأة في هودج قال: أراه و اللّه عقيلا. قال: فجاء بها حتى أناخ بعيرها على بابه، ثم أخذ بيدها فأذعنت،
[١] السنن: استنان الخيل، و هو عدوها لمرحها و نشاطها.
[٢] السوام: كل ما رعى من المال في الفلوات إذا خليّ يرعى حيث شاء.
[٣] الناضح: الدابة يستقى عليها الماء.
[٤] الذكر و الذكير من الحديد: أيبسه و أشده و أجوده، و في البيت إفواء.
[٥] أعلاج. جمع علج (بكسر فسكون): الرجل الشديد الغليظ.