الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠١ - محاورة السائب بن حكيم لغاضرة و لم يكن قد عرفها
شعره [١] أحبّ إليّ من مائة ألف درهم. قال: فقلت: هو ذاك الراكب أمامك [٢]، و أنا السائب راويته. قالت: حياك اللّه تعالى. ثم ركضت بغلتها حتى أدركته فقالت: أنت كثيّر؟ قال: مالك ويلك! فقالت: أنت الذي تقول:
إذا حسرت عنه العمامة راعها
جميل المحيّا أغفلته الدواهن
و اللّه ما رأيت عربيا قطّ أقبح و لا أحقر و لا ألأم منك. قال: أنت و اللّه أقبح مني و ألأم. قالت له: أ و لست القائل:
/
تراهنّ إلا أن يؤدّين نظرة
بمؤخر عين أو يقلبن معصما
كواظم ما ينطقن إلا محورة
رجيعة قول بعد أن يتفهّما [٣]
يحاذرن مني غيرة قد عرفنها
قديما فما يضحكن إلا تبسّما
لعن اللّه من يفرق [٤] منك. قال: بل لعنك اللّه. قالت: أ و لست الذي تقول:
إذا ضمريّة عطست فنكها
فإن عطاسها طرف الوداق [٥]
قال: من أنت؟ قالت: لا يضرّك أن لم تعرفني و لا من أنا. قال: و اللّه إني لأراك لئيمة الأصل و العشيرة.
قالت: حيّاك اللّه يا أبا صخر! ما كان بالمدينة رجل أحبّ إليّ وجها و لا لقاء منك. قال: لا حياك اللّه، و اللّه ما [٦] كان على الأرض أحد أبغض إليّ وجها منك. قالت: أ تعرفني؟ قال: أعرف أنك لئيمة من اللئام. فتعرّفت إليه فإذا هي غاضرة أمّ ولد لبشر بن مروان. قال: و سايرها حتى سندنا [٧] في الجبل من قبل زرود [٨]. فقالت له: يا أبا صخر، أضمن لك مائة ألف درهم عند بشر بن مروان إن قدمت عليه. قال: أ في سبّك إياي أو سبّي إياك تضمنين لي هذا؟ و اللّه لا أخرج إلى العراق على هذه الحال! فلما قامت تودّعه سفرت، فإذا هي أحسن من رأيت من أهل الدنيا وجها. فأمرت له بعشرة آلاف درهم، فبعد شدّ [٩] ما قبلها و أمرت [١٠] لي بخمسة آلاف درهم. فلما ولّوا قال: يا سائب أين نعنّي أنفسنا إلى عكرمة، انطلق بنا نأكل/ هذه حتى يأتينا الموت. قال: و ذلك قوله لما فارقتنا:
/
شجا أظعان غاضرة الغوادي
بغير [١١] مشيئة عرضا فؤادي
[١] في ج: «شعرا».
[٢] في ف: «هو و اللّه ذلك الراكب أمامك».
[٣] المحورة: الجواب، يريد أنهن لا ينطقن إلا بعد أن يسألن.
[٤] يفرق: يخاف.
[٥] الوداق في كل ذات حافر: الغلمة.
[٦] كذا في ف و في سائر النسخ: «و لكن ما».
[٧] سندنا: علونا.
[٨] زرود: اسم جبل.
[٩] في ب، س، ج: «سير ما».
[١٠] في ف: «له».
[١١] في ط: «بغير مشية» بالتسهيل. و في ف: حذف الشطر الثاني من البيت.