الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥٧ - استنشده عثمان فأنشده قصيدة فيها وصف الأسد
لأحسبك جبانا هدانا [١]. قال: كلا يا أمير المؤمنين، و لكنّي رأيت منه منظرا و شهدت منه مشهدا لا يبرح ذكره يتجدّد و يتردّد في قلبي، و معذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم. فقال له عثمان رضي اللّه عنه: و أنّى كان ذلك؟ قال:
خرجت في صيّابة [٢] أشراف من أفناء [٣]/ قبائل العرب ذوي هيئة و شارة حسنة، ترتمي بنا المهارى [٤] بأكسائها [٥]، و نحن نريد الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ ملك الشأم؛ فاخروّط [٦] بنا السير في حمارّة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه [٧]، و ذبلت الشّفاه، و شالت المياه [٨]، و أذكت الجوزاء المعزاء [٩]، و ذاب الصّيهد [١٠]، و صرّ الجندب [١١]، و ضاف العصفور الضّبّ و جاوره في حجره [١٢]، قال قائل: أيّها الرّكب غوّروا [١٣] بنا في ضوج [١٤] هذا الوادي،/ و إذا واد قد بدا لنا كثير الدّغل [١٥]، دائم الغلل [١٦]؛ شجراؤه مغنّة، و أطياره مرنّة [١٧]. فحططنا رحالنا بأصول دوحات كتهبلات [١٨] فأصبنا من فضلات الزّاد و أتبعناها الماء البارد. فإنّا لنصف حرّ يومنا و مماطلته [١٩]، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه [٢٠]، و فحص الأرض بيديه. فو اللّه ما لبث أن جال، ثم حمحم [٢١] فبال، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدا فواحدا، فتضعضعت الخيل، و تكعكعت [٢٢] الإبل، و تقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله [٢٣]، و ناهض بعقاله؛ فعلمنا
[١] كذا في ف، و هامش ط، «و طبقات ابن سلام». و في «لسان العرب»، و في «حديث عثمان»: «جبانا هدانا». و الهدان (بكسر الهاء):
الأحمق الثقيل. و في سائر الأصول: «جبانا هرابا».
[٢] صباب القوم: خيارهم و سادتهم.
[٣] كذا في ف، ج، «و طبقات ابن سلام». و من أفناء قبائل العرب، أي لا يدري من أي القبائل هم، و في سائر الأصول: «أبناء».
[٤] المهاري: جمع مهرية، منسوبة إلى مهرة؛ حي من قضاعة من عرب اليمن، و قيل نسبة إلى البلد. و الإبل المهرية؛ نجائب تسبق الخيل.
[٥] أكساء: جمع كسي (بالضم) و هو مؤخر العجز. و في «الطبقات»: «أنسائها».
[٦] اخروّط: طال.
[٧] عصبت الأفواه: جفت.
[٨] شالت المياه: قلّت.
[٩] المعزاء: الأرض الصلبة كثيرة الحصى.
[١٠] الصيهد: السراب الجاري و شدّة الحر.
[١١] صر: صوّت. و الجندب: الصغير من الجراد.
[١٢] كذا في ح، ط، م. و في ف: «و ضاف العصفور الضب في حجره». و في ب، س: «و أضاف العصفور الضب في وكره و جاوره في حجره» تحريف.
و قد جاء في «كتاب الحيوان» للجاحظ (ج ٦ ص ٣٨ طبعة التقدّم): «و ما أكثر ما يذكرون الضب إذا ذكروا الصيف مثل قول الشاعر:
سار أبو مسلم عنها بصرمته
و الضب في الحجر و العصفور مجتمع»
. [١٣] غوّر الرجل: أتى الغور، و هو ما انحدر من الأرض.
[١٤] الضوج: منعطف الوادي.
[١٥] الدغل: الشجر الكثير الملتف.
[١٦] الغال: الماء الذي يجري بين الأشجار.
[١٧] مرنة: مصونة، يريد مغردة.
[١٨] الكنهبل (كسفرجل، و تضم باؤه): شجر عظام.
[١٩] مماطلته: طوله و امتداده.
[٢٠] صر أذنيه: سوّاهما و نصبهما للاستماع.
[٢١] الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل.
[٢٢] تكعكعت: تأخرت إلى وراء.
[٢٣] الشكال (بالكسر): الحبل الذي تشدّ به قوائم الدابة.