الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٩ - ضرط في مجلس معاوية فطلب منه أن يسترها عليه، فوعده، و لكنه لم يفعل
و لا تحسبيني يا بنتي عزّ مذهبي
بظنك، إن الظن يكذب ذا العقل
و إني ملاق ما قضى اللّه فاصبري
و لا تجعلي العلم المحقّق كالجهل
و إنك لا تدرين: هل ما أخافه
أبعدي يأتي في رحيلي أو قبلي؟
و كم قد رأيت حاذرا متحفّظا
أصيب و ألفته المنية في الأهل
خبره مع صديقه نسيب بن حميد و شعره في ذلك
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عيسى بن إبراهيم [١] العتكي قال حدّثنا ابن عائشة عن أبيه قال:
كان لأبي الأسود صديق من بني سليم يقال له نسيب بن حميد، و كان ينشاه في منزله، و يتحدث إليه في المسجد، و كان كثيرا ما يحلف له أنه ليس بالبصرة أحد من قومه و لا من غيرهم آثر عنده منه، فرأى أبو الأسود يوما معه مستقة [٢] مخملة أصبهانية/ من صوف، فقال له أبو الأسود: ما تصنع بهذه المستقة؟ فقال: أريد بيعها، فقال له أبو الأسود: انظر ما تبلغ فعرّفنيه حتى أبعث به إليك، فإنها من حاجتي، قال: لا بل أكسوكها، فأبى أبو الأسود أن يقبلها إلا بثمنها، فبعث بها إلى السوق فقومت بمائتي درهم، فبعث إليه أبو الأسود بالدراهم، فردّها و قال:
لست أبيعها إلا بمائتين و خمسين درهما، فقال أبو الأسود:
بعني نسيب و لا تثبني إنني
لا أستثيب و لا أثيب الواهبا
إن العطية خير ما وجّهتها
و حسبتها حمدا و أجرا واجبا
و من العطية ما يعود غرامة
و ملامة تبقى و منّا كاذبا
و بلوت أخبار الرجال و فعلهم
فملئت علما منهم و تجاربا
/ فأخذت منهم ما رضيت بأخذه
و تركت عمدا ما هنالك جانبا
فإذا وعدت الوعد كنت كغارم
دينا أقرّ به و أحضر كاتبا
حتى أنفّذه على ما قلته
و كفى عليّ به لنفسي طالبا
و إذا فعلت فعلت غير محاسب
و كفى بربك جازيا و محاسبا
و إذا منعت منعت منعا بيّنا
و أرحت من طول العناء الراغبا
لا أشتري الحمد القليل بقاؤه
يوما بذم الدهر أجمع واصبا [٣]
ضرط في مجلس معاوية فطلب منه أن يسترها عليه، فوعده، و لكنه لم يفعل
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن محمد الرازي و محمد بن العباس اليزيدي و عمي قالوا حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال:
زعم أبو بكر الهذلي أن أبا الأسود الدؤلي كان يحدّث معاوية يوما فتحرك فضرط، فقال لمعاوية: استرها
[١] في ف «اسماعيل».
[٢] المستقة: فروة طويلة الكم، معربة و أصلها بالفارسية مشته. و ثوب محمل: له خمل (كشمس)، أي هدب كهدب القطيفة.
[٣] واصبا: دائما.