الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٤ - حمله الوليد دية قتلى البشر فاستطاع أن يأخذها من الحجاج
لدن ذرّ قرن الشمس حتى تلبّست
ظلاما بركض المقربات الصلادم [١]
رجع بعد عفو عبد الملك عنه و تمثل بشعر الأخطل
حتّى سكن غضب عبد الملك، و كلّمته القيسية في أن يؤمنه، فلان و تلكأ، فقيل له: إنا و اللّه لا نأمنه على المسلمين إن طال مقامه بالروم؛ فأمّنه، فأقبل فلما قدم على عبد الملك لقيه الأخطل فقال له الجحاف:
أبا مالك هل لمتني إذ حضضتني
على القتل [٢] أم هل لامني لك لائمي
أبا مالك إني أطعتك في الّتي
حضضت عليها فعل حرّان حازم
فإن تدعني أخرى أجبك بمثلها
و إني لطبّ [٣] بالوغى جدّ عالم
قال ابن حبيب:
فزعموا أن الأخطل قال له: أراك و اللّه شيخ سوء. و قال فيه جرير:
فإنّك و الجحاف يوم تحضّه
أردت بذاك المكث و الورد أعجل
بكى دوبل لا يرقئ اللّه دمعة
ألا إنما يبكي من الذّلّ دوبل [٤]
و ما زالت القتلى تمور دماؤهم
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل [٥]
/ فقال الأخطل: ما لجرير لعنه اللّه! و اللّه ما سمّتني أمي دوبلا إلّا و أنا صبيّ صغير ثم ذهب ذلك عني لما كبرت. و قال الأخطل:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة
إلى اللّه منها المشتكى و المعوّل
فسائل بني مروان ما بال ذمّة
و حبل ضعيف لا يزال يوصّل
فإلّا تغيّرها قريش بملكها
يكن عن قريش مستراد و مزحل [٦]
حمله الوليد دية قتلى البشر فاستطاع أن يأخذها من الحجاج
فقال عبد الملك حين أنشده هذا: فإلى أين يا ابن النّصرانية؟ قال: إلى النار قال: أولى لك لو قلت غيرها! قال: و رأى عبد الملك أنه إن تركهم على حالهم لم يحكم الأمر، فأمر الوليد بن عبد الملك، فحمل الدماء التي كانت قبل ذلك بين قيس و تغلب، و ضمّن الجحّاف قتلى البشر، و ألزمه إياها عقوبة له، فأدّى الوليد الحمالات، و لم يكن عند الجحاف ما حمّل، فلحق بالحجّاج بالعراق يسأله ما حمّل لأنه من هوازن، فسأل الإذن على الحجاج، فمنعه. فلقي أسماء بن خارجة؛ فعصب حاجته به فقال: إني لا أقدر لك على منفعة، قد علم الأمير بمكانك و أبى
[١] المقربات من الخيل: التي ضمرت للركوب فهي قريبة معدّة. و الصلادم: جمع صلدم، كزبرج و هو الفرس الصلب الشديد.
[٢] في «معجم البلدان» «على الثأر».
[٣] الطب: الخبير الحاذق.
[٤] الدوبل: الخنزير أو ولده، و رقأ الدمع: جف و سكن.
[٥] مار الدم: جرى، و الأشكل: ما فيه بياض يضرب إلى الحمرة و الكدرة.
[٦] في «معجم البلدان»:
«... بعدلها
يكن عن قريش مستماز و مزحل»
. بملكها، أي بقدرتها، و المستراد في الأصل: المرعى، من استرادت الدابة: رعت، و مزحل: مبعد، من زحل عن مكانه زال و تنحى.