الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٦ - عود إلى قصة يوم البشر
أنه حضر الجحاف عند عبد الملك بن مروان يوما و الأخطل حاضر في مجلسه ينشد:
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر
بقتلى أصيب من سليم و عامر
/ قال: فتقبّض وجهه في وجه الأخطل. ثم إن الأخطل لمّا قال له ذلك قال له:
نعم سوف نبكيهم بكل مهنّد
و نبكي عميرا بالرماح الخواطر [١]
ثم قال: ظننت أنك يا ابن النصرانية لم تكن تجترئ عليّ و لو رأيتني لك مأسورا. و أوعده، فما برح الأخطل حتى حمّ، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه؛ قال: هذا أجرتني منه يقظان، فمن يجيرني منه نائما؟ قال: فجعل عبد الملك يضحك. قال: فأمّا قول الأخطل:
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر
بقتلى أصيبت من سليم و عامر
فإنه يعني اليوم الذي قتلت فيه بنو تغلب عمير بن الحباب السّلميّ.
و كان السبب في ذلك فيما أخبرني به عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني أبو سعيد السكريّ عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة عن ابن الأعرابيّ عن المفضل:
أن قيسا و تغلب تحاشدوا لما كان بينهم من الوقائع منذ ابتداء الحرب بمرج راهط، فكانوا يتغاورون [٢].
و كانت بنو مالك بن بكر جامعة/ بالتوباذ و ما حوله، و جلبت إليها طوائف تغلب و جميع بطونها، إلا أن بكر بن جشم لم تجتمع أحلافهم من النّمر بن قاسط. و حشدت بكر فلم يأت الجمع منهم على قدر عددهم. و كانت تغلب بدوا بالجزيرة لا حاضرة لها إلا قليل بالكوفة، و كانت حاضرة الجزيرة لقيس و قضاعة و أخلاط مضر، ففارقتهم قضاعة قبل حرب تغلب، و أرسلت تغلب إلى مهاجريها و هم بأذربيجان، فأتاهم شعيب بن مليل في ألفي فارس.
و استنصر عمير تميما و أسدا فلم يأته منهم أحد؛ فقال:
أيا أخوينا من تميم هديتما
و من أسد هل تسمعان المناديا
أ لم تعلما مذ جاء بكر بن وائل
و تغلب ألفافا تهزّ العواليا
/ إلى قومكم قد تعلمون مكانهم
و هم قرب أدنى حاضرين و باديا
و كان من حضر ذلك من وجوه بكر بن وائل المجشّر بن الحارث بن عامر بن مرّة بن عبد اللّه بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، و كان من سادات شيبان بالجزيرة فأتاهم في جمع كثير من بني أبي ربيعة. و في ذلك يقول تميم بن الحباب بعد يوم الحشّاك.
فإن تحتجز بالماء بكر بن وائل
بني عمّنا فالدهر ذو متغيّر
فسوف نخيض [٣] الماء أو سوف نلتقي
فنقتصّ من أبناء عم المجشّر
و أتاهم زمام بن مالك بن الحصين من بني عمرو بن هاشم [٤] بن مرّة في جمع كبير فشهدوا يوم الثرثار، فقتل.
[١] خطر الرمح: اهتز فهو خاطر و الجمع خواطر.
[٢] يتغاورون: يغير بعضهم على بعض.
[٣] أخاضه في الماء: جعله يخوضه.
[٤] في ف: «عمرو بن همام».